الدكتورة فاتحة بنلباه: مهمتنا التأثير على الآخرين من منطلق بحثي علمي أكاديمي

ترى الدكتورة “فاتحة بنلباه” أن معهد الدراسات الإسبانية ـ البرتغالية، الموجود مقره بمدينة العرفان بالرباط، يشتغل بكل حرية، ويختار مواضيع أبحاثه دون تدخل من أي جهة معينة، وأنه من المفروض أن يستفيد منه الجميع، الطلبة والباحثون والدبلوماسيون والسياسيون. وتقول مديرة المعهد إن مهمة هذا الأخير هي التأثير على الآخرين من منطلق بحثي علمي أكاديمي، وتقديم خدمة لأصحاب القرار السياسي من أجل التقريب بين الشعوب وحضارات العالم، رافضة بشدة استغلال الجامعة أو المعهد لأغراض سياسية ضيقة. وتؤكد الدكتورة، في هذا الحوار، أن الأعمال والخدمات والأهداف التي يسهر على تحقيقها المعهد، بشراكة مع مؤسسات وطنية ودولية، تأتي في إطار شعار عام هو: من أجل دبلوماسية ثقافية وجامعية.
هل استطاع معهد الدراسات الإسبانية ـ البرتغالية بالرباط تحصيل بعض النتائج خلال السنة التي نودعها؟
تم إحداث معهد الدراسات الاسبانية ـ البرتغالية سنة 2002، وبدأ يشتغل سنة 2004، وذلك في إطار المهام الموكلة إليه، وهي تنمية الدراسات التاريخية والثقافية لشبه الجريرة الأيبيرية ففي كل سنة يضع المعهد برنامجا متوازنا للعمل، تدرج فيه لقاءات دولية، وندوات ومحاضرات، كما يقوم المعهد بالترجمات ونشر المؤلفات.
خلال هذه السنة الجارية، نظمنا لقاءات على مستوى عال، منها لقاء في شهر مارس الماضي حول الذاكرة المشتركة والرؤى المتقاطعة، بمشاركة مع المؤسسة الإسبانية الغرناطية للإرث الأندلسي.وقد تمخض عن هذا اللقاء ترجمة ونشر كتاب هام جدا هو “جنوبي طريفة المغرب وإسبانيا: سوء تفاهم تاريخ” للديبلوماسي “ألفونصو ذي لاسيرنا”.
ونظمنا أيضا في نهاية شهر أكتوبر الماضي لقاءا علميا حول: “الموريسكيون وتراثهم بين الأمس واليوم “، بشراكة مع مؤسسة جامعية وطنية هي جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.
هل توصلتم إلى بعض الخلاصات من خلال دراستكم لتاريخ الموريسكيين؟
كان مرادنا هو إعادة قراءة تاريخ الموريسكيين قراءة جديدة، حول ملابسات طردهم وتهجيرهم في ظل ما استجد من دراسات في هذا الموضوع، مع الإشارة إلى أن هناك مخطوطات خاصة بهم لم تدرس بعد. وأقول إنه حان الوقت لنهتم بهذه المجموعة في التاريخ، وأن نعطيها حقها في البحث العلمي، كفئة اجتماعية لها عاداتها وتقاليدها وآدابها وأشعارها، لكونها كانت ضحية لتهجير قسري في سنة 1609 أشرفت عليه الكنيسة الكاثوليكية، ونفذه الملك فيليب الثالث.
هل ركزتم فقط على إثارة الجانب العلمي في قضية الموريسكيين، أم أن القضية ذات خلفية سياسية؟
أولا تطرقنا إلى هذا الموضوع إحياء لذكرى طرد الموريسكيين التي مرت عليها 400 سنة من 1609 إلى 2009، كما تم تنظيم لقاءات كثيرة خلال السنة الجارية لدارسة هذه الفئة، فارتأينا أن يساهم المغرب بدوره في هذا النقاش لكونه معني بهذه القضية، باعتباره من البلدان التي استقبلت الموريسكيين عندما تم تهجيرهم من إسبانيا. وقد نظمنا اللقاء، كمؤسسة جامعية مختصة، تنتمي إلى المجتمع المدني، فلا خلفية سياسية لهذا اللقاء، ولا انتماء سياسي لنا. ونرفض بشدة استغلال الجامعة بصفة عامة أو معهدنا بصفة خاصة لأغراض سياسية.
لكن موضوع الموريسكيين، شئتم أم أبيتم، له خلفية سياسية، إذا وضعنا ذلك في سياق العلاقات المتأرجحة بين إسبانيا والمغرب؟
نعم هذا الموضوع له خلفيات سياسية، لكن واجبنا نحن، كباحثين ومؤرخين، أن نعيد قراءة تاريخ الموريسكيين، من زاوية البحث العلمي، لأهميته البالغة في فهم العديد من القضايا التي تهم الضفتين الشمالية والجنوبية. فضروري في بحثنا أن نستعيد هذه المأساة، ونسترجع أسبابها، وهي أسباب كانت دينية بالدرجة الأولى.
وإذا شئتم، فإن الموريسكيين، بتعبير معاصر، كانوا أقلية يعيشون في مجتمع إسباني رفض في زمن تاريخي معين تواجدهم فوق أراضيه. وهي الفترة التي انطلقت فيها محاكم التفتيش في اسبانيا، مما يؤكد التأثير البالغ للكنيسة حينئذ على القرار السياسي. وأخذت القضية أيضا بعدا سياسيا، حيث بدأت الإشاعات، في تلك الفترة، والتي سربتها الكنيسة حول تحالف مزعوم بين الموريسكيين مع جهات أجنبية، أو عن رغبتهم في تكوين جمهورية خاصة بهم في شمال إفريقيا، وهي فقط ذرائع لاستصدار قرار نهائي بطردهم من إسبانيا.
وأخبركم مثلا أنه في لقائنا الأخير لشهر أكتوبر الماضي، أثيرت مسألة تعويض الموريسكيين، أو المطالبة بالاعتذار، أو قضية الجنسية، فتطرقنا إلى مثل هذه المواضيع كباحثين وخارج أي استغلال سياسي لها. لكننا رأينا، بعض الاتجاهات السياسية حاولت اقتناص الفرصة، خلال هذا اللقاء، من أجل إنشاء خطابات سياسية معينة.
تعلمين أن تأسيس المعاهد يكون غالبا بهدف القيام بدراسات يستفيد منها أصحاب القرار السياسي، فهل في المغرب يطلب منكم هؤلاء القيام بأبحاث معينة؟
لا يطلب منا أحد أي شيء، ولا تتدخل في عملنا أية جهة معينة، فالمعهد هو الذي يحدد مواضيع دراساته وأبحاثه، وبالمقابل نطلع الجميع على نتائج أعمالنا، ومن المفروض أن يستفيد منها الكل، الطلبة والباحثون والدبلوماسيون والسياسيون. فمهمتنا التأثير على الآخرين من منطلق بحثي علمي أكاديمي. وهدفنا، في نهاية المطاف، أن يستفيد منها السياسيون من أجل التقريب بين الشعوب وحضارات العالم. مثلا ما زال هناك مشكل قائم بين الشعبين المغربي والإسباني حول اختلاف الرؤى.. وتنظيمنا للقاء حول الذاكرة والرؤى المتقاطعة، في مارس المنصرم، كان هدفه هو التقريب بين وجهات النظر بين حضارتين عريقتين متجاورتين.
يعني ذلك أنه في إطار عملكم تضعون ضمن أهدافكم تقريب الحضارات بين الضفتين الجنوبية والشمالية؟
هذا موضوع حاضر عندنا من البداية إلى النهاية، فنحن مؤسسة وطنية تهتم بدراسة تاريخ بلدان أخرى، مثل إسبانيا والبرتغال وكذلك بلدان من جنوب أمريكا الناطقة باللغة الاسبانية، وهذا في حد ذاته شيء فريد. ونحن نبحث محور شمال ـ جنوب من خلال اللقاءات التي نظمها، ففي سنة 2008 نظمنا اللقاء السابع الأورو ـ مغاربي، وهو يدخل في هذا الباب. والأكثر من ذلك، فلنا اهتمام أيضا بمحور جنوب ـ جنوب، فنظمنا محاضرات حول موضوع العلاقة بين المغرب وبلدان الجنوب، فكان لنا لقاء مع باحث مكسيكي لتدارس العلاقات بين بلد المكسيك والمغرب.
هل يتأثر معهدكم بالعلاقات المغربية ـ الإسبانية التي تشهد في بعض الفترات توترات حادة؟
عندما وقعت أزمة ما يسمى بجزيرة “ليلى”، ووصلت فيها العلاقات الإسبانية ـ المغربية إلى مستوى عال من التشنج، نحن في المعهد، وفي إطار انتمائنا إلى المجتمع المدني، واصلنا عملنا وأبحاثنا، وقلنا بصوت مرتفع بأن العمل الأكاديمي والثقافي يجب أن يستمر دون تأثر بالعوامل السياسية التي من طبيعتها التغير والتقلب، عكس البحث العلمي الذي يهدف إلى الثبات والاستقرار.
وفي إسبانيا هناك أيضا أفراد ومؤسسات ومعاهد يفكرون بشكل إيجابي ولا يتأثرون بالأجواء السياسية هناك. فهدفنا جميعا هو البناء والمستقبل. ينبغي أن نبقى فوق الصراعات السياسية.
هل تقدمون مساعدات معينة للطلبة الباحثين؟
نحن معهد متخصص في البحث وليس في التعليم. لا نقوم بتكوين الطلبة بشكل مباشر. لكن بشكل غير مباشر نقوم بإدماج الطلبة في عملنا. أحدثنا في هذا المعهد مجموعة بحث متخصصة في الدراسات الإسبانية ـ البرتغالية، وداخلها توجد وحدات متخصصة. ففي شهر ماي الماضي أنشأنا وحدة علمية خاصة بالدراسات الموريسكية، وقد شاركت معنا في تنظيم لقاء شهر أكتوبر، وهي وحدة تتكون من العديد من الطلبة الدكاترة ينتمون إلى مؤسسات جامعية أخرى، ونسمح لهم بالاحتكاك بباحثين مختصين في العالم.
هل لديكم مشاريع في المستقبل؟
نحن بصدد نشر مؤلف حول الموروث المعماري المغربي من أصل برتغالي، وهو الآن تحت الطبع، كما أننا بصدد نشر كتيب، ساهم فيه طلبة باحثون، وهو عبارة عن ترجمة حديثة لنص من القرن السادس عشر للسمرقندي. وسنصدر مؤلفا باللغة القشتالية حول المغرب، صدر سنة 1936 لكاتبة كاطلانية زارت المغرب سنة 1935، ولم يكن يعرف هذا الكتاب في المغرب، وقد قمت شخصيا بإحضاره إلى المغرب، وعرفت به هنا في بلدنا. في شهر يناير المقبل، سننظم يوما دراسيا حول العلاقات بين المغرب والبرازيل، وسنعلن عن معرض للصور الفوتوغرافية لعرب أمريكا، تم عرضه سنة 2005 في البرازيل.. وسيكون معرضا دائما في معهدنا. وفي سنة 2010 سينعقد لقاء بين المغرب وإسبانيا والبرتغال حول الموروث المشترك. وتأتي هذا الأعمال في إطار الشعار الذي يشتغل عليه معهد الدراسات الإسبانية ـ البرتغالية وهو: من أجل دبلوماسية ثقافية وجامعية.
أجرى الحوار عمر العمري
