Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
Uncategorized

فن السماع والمديح النبوي

يميل الأستاذ الحراق في هذا البحث إلى القول بأن لفن المديح النبوي أثرا عميقا في التعبير عن الوجدان الديني المغربي، بل ومساهمة في دعم “التلحيم الروحي” للمجتمع المغربي وتغذية وتقوية هويته الإسلامية؛ إذ يعيش المسلم المغربي دينه من خلال مختلف الشعائر التعبدية؛ مثلما يعيش حياته الإسلامية من خلال مختلف تلك المظاهر الثقافية والتقاليد الاجتماعية المغربية.

السماعبين »المديح النبوي« و »كلام القوم «
السماع فن مغربي أصيل يقوم على ترتيل الأشعار الدينية والصوفية، قصائد كانت أم توشيحات أم أزجالا أم براول، وفق الطبوع الأندلسية المغربية وأساليبها في التوقيع والغناء، واعتمادا أساسا على الأصوات والحناجر، وذلك بغية تحقيق غايات روحية تبلورت، بشكل رئيس، مع سَن الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، وانتعاش الطرق والزوايا الصوفية. والسماع ﺑﻬذا المعنى العام يضم تحت لوائه شقين: الشق الأول هو المديح النبوي الشريف، ومتعلَّقه مدح النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتمثله مختلف النصوص المديحية سواء كانت “شمائليات” تتغنى بكمالات الرسول الخِلقية وخلاله الخُلقية ومعجزاته الظاهرة والباطنة؛ أو “تصليات” مناطها الصلاة على الرسول(عليهالسلام)وتمجيده؛أو »حجازيات « تتغنى بالأماكن المقدسة والمعاهد الحجازية فتتغزل فيها وتشوق إليها؛ أو »استشفاعيات « مدارها التوسل بالرسول الأكرم وطلب الحظوة بشفاعته يوم العرض، أو غيرها من نصوص المديح النبوي العام الذي لا يتقيد بغرض من هذه الأغراض. وضمن هذا الحقل الدلالي الذي يميز شق المديح النبوي من السماع، تندرج مطولات مديحية شهيرة تمثل الأغراض السالفة وتسبح في فلكها مثل »بردة « الإمام البوصيري و »همزيته « و »وتريات « الإمام البغدادي. وتلحق ﺑﻬذا الشق نصوص الابتهالات والغوثيات والتوسليات، وضمنها تندرج مثلا مطولات »الناصرية « و »المنفرجة « و »الفياشية .«
أما الشق الثاني من السماع فيتعلق بما يعرف ب”كلام القوم” أو ما يسميه الشيخ محمد بن العربي الدلائي في رسالته »فتح الأنوار « ب”السماع المجرد”. ويتضمن نصوص القوم التي يعبرون ﺑﻬا عن مذاقاﺗﻬم ومواجيدهم وأسفارهم الروحية، أكانت هاته النصوص في غرض »المديح الولوي «، أي تلك التي تقوم على مدح القوم وإبراز سجاياهم وطلب الحظوة بصحبتهم والاستصراخ بجاههم؛ أم كانت نصوصا في »المحبة الإلهية «، أي تلك التي تبسط شروط هاته المحبة وأعراضها وأحوالها وآثارها؛ أم نصوصا في التجليات التي يثمرها سلوك طريق القوم كما تعبر عن ذلك نصوص »الخمريات « و »تغزلات الحقيقة «، أي تلك التي تتغزل بالخمرة الأزلية والأنثى الكلية، أم كانت نصوصا في »المعارف « التي تعبر عن رقائق المعرفة الصوفية من »شهود الأحدية « و »وحدة الشهود « وغيرها، وهي نصوص غالبا ما يتخللها أيضا بعد تربوي تأهيلي للمريد الراغب في سلوك الطريق وخوض السفر الذوقي لمعرفة الحق.
التمايز الموسيقي بين شقي السماع
وإلى جانب هذا التمايز الأدبي بين شقي السماع: المديح النبوي والسماع المجرد، ثمة تمايز طربي بين الشقين، ويتمثل في بعض الخصائص الفنية التي تسم وتشم كل قسم بملامح تخصه وتميزه عن القسم الآخر. فالشقان معا وإن كانا يتقاطعان في كثير من الطبوع والإيقاعات، فإﻧﻬما يتمايزان على مستوى أسلوب الإنشاد. ذلك أن أسلوب غناء المديح النبوي يبقى أقرب إلى أسلوب طرب الآلة؛ لاعتماد أرباب المديح أساسا على آلية »القدود « المتمثلة في نقل صنائع طرب الآلة من أشعار التشبيب والغزل ووصف الطبيعة ومجالس الأنس إلى أشعار المديح النبوي بمختلف أغراضها المحددة أعلاه، بحيث يبدو المديح النبوي في غالب الأحيان وكأنه وجه ديني لطرب الآلة. فيما يتميز شق »السماع المجرد « بأناشيد ومرددات وهيللات ملحنة وفق أسلوب زاوياتييستجيبلطقوسحِلَقالذكرومقتضياﺗﻬا الدلالية والفنية والمقاصدية، وتعرف هذه الحِلق لدى الطرق الصوفية ذات المشرب الدرقاوي ب »العمارة «، وهي نوع من الذكر قياما يتحلق خلاله الذاكرون في شكل دائري لإنجاز رقصات صوفية وجدية مع ترديد جملة الذكر »الله حي «، وذلك بتناسق وتساوق وتناغم مع إنشاد المسمعين لمرددات القوم ومقطعاﺗﻬم التي تتعلق بغرض من الأغراض الصوفية المحددة آنفا. ومع تسجيل هذا التمايز بين المديح النبوي والسماع المجرد، فإن الشقين قد تفاعلا وتآثرا بحيث تأثر أرباب المديح بكثير من تلاحين وإيقاعات أرباب كلام القوم، كما حصل العكس؛ حتى أصبحنا أمام قدود في الاتجاهين. وهو ما يمثل وجها من أوجه التفاعل بين المديح النبوي والسماع المجرد، ويعضد الحديثَ عنهما ضمن إطار فني عام هو »السماع .« إن هذه الإضاءة المفاهيمية تمكننا من الوقوف عند بعض خصائص فن السماع التي أهلته للاضطلاع بجم من الوظائف الروحية، والتي أسندت إلى شقيه معا، وسنقتصر في هذه المساهمة على المديح النبوي مع بيان بعض أدواره الروحية.
المديح النبوي وبعض أدواره الروحية
يقول الشيخ الدلائي: »لما كانت محبة هذا النبي الكريم فرضا على الأعيان، والصلاة والسلام عليه من أجل ما تلفظ به اللسان، وأمداحه وذكر أوصافه الجميلة وشمائله الشريفة الجليلة من أفضل ما اعتنى به الإنسان؛ لأن ذلك ذريعة ووسيلة إلى محبة الرحيم الرحمن، هاجت أفئدة أقوام جذبتهم أيدي السعادة، وأكرمهم الكريم بالحسنى وزيادة، فاقتطفوا من رياض محاسنه بديع الأزهار، وقلدوا ﺑﻬا جيود الموشحات والأشعار (…) واتخذوا لذلك طبوعا وألحانا، ونغمات وأوزانا، رغبة فيما يقوي محبة هذا النبي الكريم وتلذذا بذكر أوصاف حسنه الوسيم، إذ الحب أصل المدح، والمدح أصل الربح. فلقد فاز المحبون، واغتنم المادحون، وخسر هنالك المبطلون 1)« ). يفصح هذا النص بوضوح عن حقيقة ثابتة مفادها أن الحافز إلى الاعتناء بالمديح النبوي الشريف نظما وتنغيما، هو محبة الرسول الأكرم والتعلق بجنابه. ذلك أن مدح الرسول (عليه السلام) هو عنوان محبته، وهذه المحبة شرط من شروط الإيمان لقوله عليه السلام: »لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين «، وفي رواية أخرى: »حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين 2)« ).
ومن علامات هذه المحبة الاقتداء بالمحبوب؛ لأن المحبَّ لمن يحبُّ مُطيعُ، يقول سيدي فتح الله بناني: » ولمحبته عليه السلام علامات، ودلائل واضحات، (منها)، وهو أعظمها، الاقتداء به، واستعمال سنته، وسلوك طريقته، والاهتداءُ ﺑﻬديه وسيرته، والوقوفُ على ما حدَّه من شريعته. قال تعالى:{قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، وقال عليه الصلاة والسلام: » من أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة 3)« )؛ وهو ما يعني أن محبة الرسول ( عليه السلام) تقتضي التخلق بأخلاقه، واتباعَه في أقواله وأفعاله وتقريراته، والعملَ بسنته، والتمسكَ ﺑﻬديه، وتعظيمَ آل بيته وصحابته وورثته من علماء الظاهر، حملةِ لواء الشريعة، و علماءِالباطن،حملةِ لواءا لولاية.الأمرالذييجعل من فن مديحه عليه السلام، بوصفه عنوانا لمحبته و محفزا على التحقق بمقتضياﺗﻬا، أداةً من أدوات ترسيخ القيم الإسلامية الحنيفة التي تجسدها أكملَ تجسيد شخصيةُ الرسول ( عليه السلام) وسيرتُه المطهرة. يظهر هذا جليا في ما تتضمنه نصوص المديح من معان ودلالات وقيم، فهذه النصوص، كما سبق التفصيل، إما تصليات على الرسول الأكرم، والصلاة عليه فرض على الأعيان كما تدل على ذلك العديد من الآيات والأحاديث( 4)، وإما استحضار لشمائله الخِلقية وكمالاته الحسية، وهي مدعاة لتشخيصه وحبه والتعلق به، وإما استحضار لأخلاقه الكريمة، وهو الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه حتى قال في حقه: {وإنك لعلى خلق عظيم}( 5)، وإما اسشفاع به وتوسل بجاهه، وهو الذي أرضاه ربه بعطية الشفاعة في الخلق يوم العرض، وإما تعبير عن محبة آل بيته والتعلق ﺑﻬم لقوله عليه السلام »أحبُّوا أهل بيتي لحبي 6)« ). وخلال جميع النصوص المديحية، التي تسبح في هذا الفلك الدلالي، يتم استدعاء سيرة الرسول المطهرة للوقوف على خواص الذات النبوية الشريفة، وسجاياها في الدين والحياة، ومسارها النموذجي في نشر الرسالة وإحقاق الحق والدعوة إلى التوحيد وتحقيق المثل الإسلامية العليا. ويكفي التأمل في ملحمتي »البردة « و »الهمزية « البوصيريتين لنكتشف أننا إزاء سيرة نبوية منظومة في أﺑﻬى حبك وأزهى سبك.
فن المديح والاحتفال بالمولد النبوي
أضف إلى ذلك أن ارتباط ظهور فن المديح النبوي وازدهاره ببداية الاحتفال بالمولد النبوي بالمغرب خلال القرن السابع الهجري، مع ما يرمز إليه سياق هذا الاحتفال من رغبة في الحفاظ على هوية الشخصية المسلمة والحيلولة دون تقليد النصارى في احتفالاﺗﻬم بأعيادهم المسيحية( 7)، كل ذلك يجعل من فن المديح النبوي- بالإضافة إلى بعده الديني المرتبط بترسيخ محبة الرسول الأكرم وتثبيت مختلف القيم الإسلامية الحنيفة المتصلة بسيرته ورسالته- أداة من أدوات حماية الهوية الإسلامية من الاختراق الثقافي، وهو ما جعل فن المديح، أمام تطور العناية به سواء من خلال الاحتفالات الرسمية بعيد المولد أو من خلال احتضان هذا الاحتفال أيضا من قبل الزوايا الصوفية في المغرب أو من خلال مختلف الطقوس الشعبية لهذا الاحتفال، يصبح مظهرا من مظاهر الثقافة المغربية الأصيلة، لاسيما وأن المغاربة قد أغنوا هذا الفن بالأشعار المختلفة وضمنوه ملحوناﺗﻬم المعروفة بالبراول، كما أثروه بالتلاحين والأنغام والإيقاعات وتنويع أساليب الأداء، وبيؤوه في سياقهم المغربي المتعددة مشاربه الثقافية؛ إذ يكفي أن نلتفت إلى ازدهار المديح النبوي في مختلف جهات المغرب، وكذا ازدهار تلحين نصوص المديح أيضا وفق أنغام ذات أصول أندلسية وأخرى إفريقية وثالثة أمازيغية وغيرها، لتأكيد ما نقول. بل إن أنغام فن المديح النبوي وأشعاره أضحت مظاهر ثقافية عامة في المجتمع المغربي، تحضر آثارها إما نظما أو نغما في مختلف التجليات الاجتماعية والدينية، سواء في هدهدات الأمهات لأطفالهن وتسكينهنل صغارهن بالأذكار والصلوات؛ أو على الصوامع والمآذن من خلال تتويب المهللين وأذان المؤذنين؛ أو في تكبيرات وتسبيحات الناس في صلاة العيدين؛ أو في صيغ دعواﺗﻬم عقب الصلوات الخمس في المساجد، أو من خلال أذكارهم التي يشيعون ﺑﻬا أحبتهم إلى مراقدهم الأخيرة؛ أو من خلال ترتيلهم الفردي والجماعي للقرآن الكريم( 8)، أو من خلال رواية حديث الإنصات في صلاة الجمعة؛ وكذا في تصادح النساء، في الأفراح الخاصة والعامة، بالصلاة على النبي الكريم وفق صيغة مغربية سائرة تعقبها زغاريد ﺑﻬية، ناهيك عن مظهر ساطع لحضور فن المديح في الحياة الاجتماعية المغربية يتجلى في استحضار واستدعاء المادحين في مختلف الأفراح والأتراح إلى البيوتات الخاصة للتغني بسيرة الرسول وأمداحه والصلاة عليه.

————————————————–

هوامش
1 فتح الأنوار في بيان ما يعين على مدح النبي المختار، لمحمد بن العربي الدلائي ضمن ميزات مغربية لقصيدة البردة، محمد المنوني، »دعوة الحق «، ع. 261 /ربيع الثاني 1407 ه – دجنبر 1986 م: ص. 24 .
-2 أخرج الروايتان مسلم في صحيحه.
-3 فتح الله في مولد خير خلق الله عليه السلام ، فتح الله بناني، منشورات محمد علي بيضون- دار الكتب العلمية، بيروت 2004 م: ص. 9.
-4 راجع مثلا في هذا الصدد: فضل الصلاة على النبي، إسماعيل بن إسحاق الجهضمي القاضي المالكي( 282 – 199 )، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت 1977 م
-5 سورة القلم، الآية: 4.
-6 رواه الترمذي.
-7 لقد كان الحافز إلى الدعوة للاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف بالمغرب أن المسلمين بالأندلس وسبتة أصبحوايقلدونالمسيحيينفياحتفالاﺗﻬمبأعياد »النيروز « و «المهرجان « و «ميلاد المسيح عيسى « عليه السلام، وهو ما دفع قاضي سبتة أبا العباس العزفي(ت. 633 ه/ 1236 م) إلى التفكير في ما يصرف المسلمين عن هذه »المناكر « ولو بأمر مباح، فنبههم إلى الاعتناء بمولد الرسول الكريم، وانطلق يطوف على الكتاتيب القرآنية يشرح للأطفال دلالات هذا العيد. وقد بين أبو العباس العزفي أسباب دعوته هاته في كتابه »الدر المنظم في مولد النبي المعظم «، وهو الكتاب الذي سيكمل تأليفه ابنه أبو
القاسم، والذي سيحقق دعوة والده حين سيصبح أميرا على سبتة. كما أنه سيهدي نسخة من الكتاب المذكور إلى = الخليفة الموحدي عمر المرتضي، والذي صار يحيي ليلة المولد بمراكش. ومع المرينيين سيصير هذا الاحتفال عيدا رسميا في المغرب.
-8 في وزان مثلا يرتل القرآن الكريم جماعيا في سبعة عشر نغما تشمل جل الطبوع المتداولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى