Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
رأي

محمد المنوني.. ذاكرة المغرب التي تعرفت مظاهر يقظته

الذاكرة الفردية وعاء للتجربة، ترتبط أمانتها بقوتها الذاتية، فتكون عناصر القوة في الذاكرة عنوان أمانتها في الرصد والتسجيل وإغناء المسار. أما الذاكرة الجماعية فتحتاج إضافة إلى القوة -إذ تتجلي في الرصد الأمين لوقائع التاريخ، والجهد المضني في تتبع كليات مساره وجزئياته- إلى منهج لاحب في تعرف الأدوات/المفاتح، التي تكسب المؤرخ أدق منهج متاح في أداء رسالة الأمانة على الذاكرة.

 بذلك يولد المؤرخ الذي يتحمل الأمانة لكبرى، بل يصبح جزءا مؤسسا أومؤثثا لتلك الذاكرة، ولذلك كله صح أن نقول عن الفقيه العلامة محمد المنوني حقا أنه ذاكرة أمينة للمغرب، بل قل عنه إنه من أهم من ساهم إلى الآن، في المجال التاريخي، في صياغة الذاكرة الجمعية للتجربة الحضارية المغربية ما بقيت
هذا الرجل الذي كان تكوينه انعكاسا صادقا لفعالية المدرسة التي انتمى إليها، مدرسة المجتمع الذي ينتمي إليه، تلك التي تتآلف فيها بلا خصومة: الأصالة مع أفضل معطيات المعاصرة، فتتيح لخريجها متانة غير عادية في التكوين التراثي مع قاعدة صالحة للبناء عليها ثقافيا، عبر استكمال المسار المنهجي في صيغته الأكاديمية.
ولعل فاعلية هذه المدرسة تثبت كأجلى ما يكون في الجانب التاريخي من شخصية المنوني متعددة الأبعاد، وبالغة الثراء، فإذا كانت أهم نقاط الضعف التي تواجه تقليديا مسار التأريخ، ليس فحسب في المغرب، وإنما في عالم العرب والمسلمين، هي أن المحدد السياسي هو الذي ينتج التاريخ، فيكون التاريخ العام هو نفسه تاريخ الدولة، بما يعتمل فيها من تفاعلات تبلغ مبلغ الصراع أحيانا حول مشروعية السلطة وقوة التغلب اللازمة لتسنمها، فإن المنوني كان المثال الذي استطاع أن يثبت التعدد الغني في مادة التاريخ الحضاري للمغرب خصوصا. فاهتم بأكثر جوانب الحضارة المغربية، توثيقا وتأريخا.
كتب عن “(العلوم والآداب والفنون)في عهد الموحدين” (1950) وعن “(الحضارة المغربية) في عصر المرينيين” (1980)، كما كتب عن الظواهر الجزئية لتشكل الحضارة فأرخ مثلا للوراقة المغربية (منشورات كلية الأداب 1991).
غير أن ذلك لم يكن كل ما شكل عناصر المثال، فالمسألة التي صنعت فرادة “النموذج المنوني” هي أنه سلك طرقا جديدة في بناء المتن التاريخي، بدت له قادرة على إعطاء الإنسان المعاصر صورة أمينة لما تختزنه تلك الذاكرة الجماعية للمجتمع، فاستعمل النصوص المتنوعة في بناء وصياغة المادة التاريخية “التاريخ الأندلسي من خلال النصوص” (1991)، ثم كان تتويج هذا المنهج من خلال توسيع مجال نظر المؤرخ إلى غير المصادر التاريخية المعروفة، حين استثمر مادة التاريخ الاجتماعي للمغرب كاملة: رحلات ومذكرات وحواشي ومراسلات، بل و(تقاييد) لم تكن ترى إلا بوصفها خواطر ومشاهدات ويوميات شخصية لأصحابها، تقرأ إما للاعتبار بجوانب الصلاح أو لاستمداد حكمة فلسفية من تجاربهم الحياتية، أو للتسلية النابعة مما تحويه من نوادر المواقف وطريف الأحداث.
لقد كان الاتجاه البحثي الذي أسسه المنوني في الحقل التاريخي كأجلى ما يكون اتجاه في الدراسة والبحث، هو الاهتمام بتركيز المعرفة التاريخية في صيغة مصادر قادرة على أن تكسب الأدوات التي يحتاجها الباحث، فتكون بالنسبة له مداخل إلى مجال المعرفة التاريخية مادة ومنهجا، ومن هنا اهتمامه بجمع وتنظيم مصادر البحث التاريخي (المصادر العربية لتاريخ المغرب 1983) سواء أكانت فهارس (فهارس مخطوطات الخزانة العامة بالرباط1974) و(فهارس مخطوطات الخزانة الحسنية 1983)، أو أدلة (دليل مخطوطات دار الكتب الناصرية بتامكروت 1985).
أما المخطوطات فقد كان محمد المنوني سابر أغوارها بحق، والرجل الذي أخرج مئات منها إلى النور، ميسرة لمن يأتي بعده من الدارسين والباحثين، وما استطاع أن يغالب متعته في الكتابة عنها، رغم انشغاله الشديد عنها بها إخراجا وتحقيقا فجاء كتابه “قبس من عطاء المخطوط المغربي” الذي صدر في ثلاثة مجلدات (1999).
وإذا صح لنا أن نختار من المكتبة الكبيرة التي خط يراع محمد المنوني ما يمثل معلم تجربته في الكتابة التاريخية، فلعله يكون كتابه “مظاهر يقظة المغرب الحديث” الذي صدر في جزئين (1985)، ليس لأنه خلاصة بحثية راقية لجهد سنوات من العمل والتنقيب في تلك المظاهر من مصادرها المختلفة فحسب، بل لأن هذا الكتاب/المعلمة ربما صح إدارجه في خانة المصادر المعاصرة النادرة في فلسفة تاريخ المغرب، من حيث استنباط قوانين النهوض وتجلياته العامة من خلال الأمثلة الجزئية المبثوثة في مضانها المختلفة. إن محمد المنوني الذاكرة هو في الواقع تحد للجهد البحثي والأكاديمي المعاصر في غير مجال، يتربع تاريخ المغرب على صدارتها، إذ استطاع أن يجمع إلى ثراء عناصر الذاكرة، رصدا أمينا في دقته وعلميته، ومنهجا صارما وفعالا في تعرف تاريخ المغرب.

د. سمير بودينار
رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى