وقفة مع طوماس فريدمان

بعد جولة قام ﺑﻬا إلى الهند في مهمة صحفية- استكشافية للوقوف على مكامن القوة في الاقتصاد الهندي، عاد الصحفي المشهور طوماس فريدمان إلى الولايات المتحدة ليهمس في أذن زوجته أنه قد اكتشف أن الأرض مسطحة وهو يسافر من الولايات المتحدة إلى الهند، على خلاف كريستوف كولومبوس الذي خيل له أنه يكتشف كروية الأرض وهو يرحل من الشرق إلى الغرب. كل شيء في هذا البلد العتيق، من ملاعب للغولف، إلى لوحات الإشهار وبنايات الشركات وطرائق الشباب في الكلام والحركة كان يذكره بالفضاء الأمريكي؛ وهذا ما دفعه إلى التفكير في إحصاء القوى التي عملت على تسطيح الأرض وإزالة الفوارق بين حضاراﺗﻬا وتنميط السلوك الثقافي النابع من التفاعل معها.
إن كتاب فريدمان ( The World is Flat: a brief history of the twenty-first century )، وإن كان لا يخلو من لطائف عديدة ودقائق كثيرة تحيل على تدبر واقع الكرة الأرضية اليوم تحت سقف حضارة واحدة معولمة تنمحي فيها الفوراق، يظل في اعتقادنا سجين فكر اقتصادوي غربي حال دونه ودون التنبه إلى أبعاد أخرى كثيرة. لقد فوتت عليه رغبته في الدمج بين الحديث عن الهند كقوة اقتصادية صاعدة وبين دول إسلامية “منتجة للإرهاب” فرصة غالية للاعتبار الحقيقي والتحليل الرصين للظواهر التي تأتى له أن يعاينها؛ فبقدر ما تعلو مرتبة كتابه، في اعتقادي، وهو يرصد الظواهر بأعين الصحفي المنقبة ليدقق في وصفها والإخبار عنها، تترل مكانته درجات وهو يمارس التحليل والتفكير والربط بين هذه الظواهر ليخلص إلى النتائج التي خلص إليها.
لم يأمن طوماس فريدمان من الوقوع، من حيث لا يعلم، في آفة “وقاحة الاستعلاء“، هذا الإحساس الذي يصرف ذهن الدارس الملاحظ عن حقائق جوهرية يخفيها ظاهر العولمة. إن العولمة كما أتاحت الفرصة للعالمين للنهل من كرامات التكنولوجيا لخلق الغنى، ونمطت السلوك الثقافي إلى درجة أصبح عندها الإنسان الغربي لا يصادف في رحيله إلى فضاء الآخرين ما يدعو للدهشة والذهول والاستغراب، كذلك فوتت على الغربيين فرصة التعرف على ما تزخر به الفضاءات الأخرى من رصيد ثقافي يملك، إن تم الوعي بوجوده، أن يقوم مسار الحضارة المعولمة الذي أصبح أكثر من أي وقت مضى يهدد مستقبل البشرية جمعاء. إذا حق للناظر الغربي أن ينتشي برؤية العالم ينخرط في دينامية الغرب وهو يطلب علومه وفنونه، فلا يحق له أن يغفل أن مساحة الجهل بالثقافات الأخرى في توسع مستمر. لقد كان عامل الدهشة والاستغراب يذكي حماسة الرحالة ليكتشف عمق ثقافة الآخر ويقف عند أسرارها المحجوبة؛ أما اليوم، وبعد ما حصل من تسطيح للأرض بفعل وسائل الاتصال، فلم تعد الحاجة قائمة للنبش والتنقيب في مكنون هذه الثقافات. لا سبيل إلى إنكار أن مستقبل الأمم أصبح يتحدد بحسب قدرﺗﻬا على الانخراط الفعال في منظومة الاقتصاد المعولم ومدى تمكنها من توظيف وسائل الاتصال التوظيف اللائق؛ لكن هذا يجب ألا يحول بيننا وبين مساءلة المنظومة الاقتصادية العالمية القائمة على مراكمة الغنى؛ لقد أصبح العالم أكثر من
