Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
Uncategorized

إبداعات المدرسة المغربية في الرياضيات

وبالنسبة للمغرب (الأقصى) يبدو الإشكال أكثر حدة، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الصلات الوثيقة التي ربطته تاريخيا بالأندلس، والتي انعكست انعكاسا حاسما على تطور العلوم العقلية فيه. ويصعب أحيانا تحديد نسبة عالم ما إلى إحدى العدوتين بعينها، وهو تقسيم لم يكن له تبرير سياسي في عصري المرابطين والموحدين، مثلما هو الحال مع ابن منعم العبدري (المتوفى 1228 م).
رسوم الغبار
ولعل أول ما نصادفه من خصوصيات الرياضيات في المغرب هو استعمال الأرقام المسماة اليوم على الصعيد العالمي عربية: 1، 2… وهو استعمال اشترك فيه المغرب الأقصى مع الأندلس وباقي بلاد المغرب، وكانت تسمى حروف الغبار أو رسوم الغبار. وقد قيل الكثير عن هذه الأرقام وأصلها، وتناولها المستشرقون بالبحث والتمحيص منذ نحو قرنين من الزمان دون أن يستطيعوا القطع في شأﻧﻬا وعلاقتها بسلسلة الأرقام المستعملة في المشرق والمسماة هندية: ٢ ،١ … بل إن بعض المحدثين جعل الأرقام الغبارية المغربية في مواجهة السلسلة المشرقية، حتى أصبحت هذه المسألة قضية ترفع إلى المجامع الفقهية لتقول فيها قولها وتفتي في أمرها! ولعلنا نضع تميز الغرب الإسلامي في استعمال أشكال للأرقام مخالفة للأشكال المشرقية إلى جانب تميزه في كتابة شكل بعض الحروف، وفي الترتيب الألفبائي المتداول، وأيضا في ترتيب أبجدية حساب الجٌمّل. وتظل كل هذه التميزات لغزا من ألغاز التاريخ لم يكشف عنه النقاب بعد. ولو كان لنا أن نحتفظ بثلاثة أسماء طبعت تطور الرياضيات في المغرب وارتبطت بخصوصياﺗﻬا، لوقع الاختيار على أبي بكر الحصّار وابن الياسمين وابن البنّاء.
شيخ الجماعة أبو بكر الحصّار
ليست لدينا معلومات دقيقة عن أبي بكر الحصّار الذي عاش في عصر الموحدين، ولعله توفي قبل ﻧﻬاية القرن الثاني عشر الميلادي. ومع أنه لا يمكننا القطع بنسبته إلى المغرب أو الأندلس، فإن الدلائل القليلة المتوفرة قد ترجح مغربيته. وقد ذكر ابن خلدون كتاب الحصّار الصغير في الحساب كواحد من أحسن التآليف المبسوطة في صناعة العدد »لهذا العهد بالمغرب .« والكتاب المقصود هو كتاب »البيان والتذكار في علم مسائل الغبار «. وللحصّار كتاب آخر مفصل هو »الكامل .« وارتبط اسم “الحصّار” بمسألة في الأرثماطيقا وضعها وأجاب عنها، تعرف باسم ” المسألة السبتية”. ويبدو أن بعض شيوخ العلم في سبتة شكك في جواب الحصّار، وهذا هو سبب تسمية المسألة التي سيتداولها رياضيون كثيرون بعده. ويذكر ابن غازي المكناسي (المتوفى 1513 م) أبا بكر الحصّار بإجلال محليا إياه بلقب شيخ الجماعة. ويمكن اعتبار مؤلًّفي الحصّار المذكورين أقدم ما انتهى إلينا من نصوص مغربية في الرياضيات. ويعزو بعض الباحثين إلى الحصّار فكرة وضع خط يفصل في الكسور بين البسط والمقام، وهو الاستعمال الذي أخذت به الرياضيات بعد ذلك وتعمم في أرجاء العالم اليوم. وقد شاع هذا الاستعمال عند الرياضيين المغاربة منذ القرن الثالث عشر الميلادي.
الأستاذ ابن الياسمين
ومعلوماتنا أوفر عن ابن الياسمين، ربما لأنه كان متصلا بالبلاط الموحدي، وواحدا من مؤلفي الموشحات. ولا شك أنه عاصر الحصّار، وتوفي بعده في 1204 م في مراكش، وينسب إلى قبيلة خارج فاس التي ولد فيها. ولعل أرجوزته في عمليات الجبر والمقابلة هي التي صنعت شهرته في الأندلس وفي المشرق حيث احتفى ﺑﻬا العلماء ووضعت عليها عدة شروح كشرح ابن الهائم وشرح سبط المارديني. والمهم بالنسبة لما نحن بصدده هو كتابه ” تلقيج الأفكار في العمل برسوم الغبار” الذي ضمنه نواة لنظام من الرموز يمكن بواسطته كتابة التراكيب الجبرية بطريقة مختزلة عوض حكايتها بالكلمات. ومع أن ابن الياسمين لا يقول إنه مبتكر تلك الرموز، فإننا لا نجدها عند من سبقه من الرياضيين في المغرب أو المشرق. واستعمل ابن الياسمين النقط الثلاث لحرف الشين للدلالة على المجهول أو الشيء، وحرف الميم للدلالة على المال، والجيم للدلالة على الجذر. واستعمل اللام ألف (لا) للدلالة على النقصان. وتلقف الرياضيون المغاربة بعد ابن الياسمين هذا النظام ومضوا به أبعد من ذلك مضيفين رموزا أخرى للكعب والتعادل… بحيث أصبح بإمكاﻧﻬم كتابة المعادلات من أي درجة كانت. ولا شك أن هذه الرموز هي التي كانت مرشحة لتعمم عالميا لو استمرت الرياضيات العربية في ريادﺗﻬا، إذ لم تظهر الرموز عند الأوروبيين إلا في القرن السادس عشر.
الإمام ابن البنّاء
تمثل أعمال الإمام ابن البنّاء العددي المراكشي المتوفى سنة 1321 م بمراكش قمة ما انتهت إليه المدرسة المغربية في الرياضيات حيث إن جل من جاء بعده، إن لم نقل كلهم، جعلوا مدار أعمالهم الرياضية على ما ألفه ابن البنّاء وخاصة كتابه ” تلخيص أعمال الحساب” فتناولوه بالشرح وكتبوا عليه الحواشي والتعليقات، بمن فيهم أبو الحسن القلصادي خاتمة رياضيي الأندلس. وذكر ابن خلدون هذا الكتاب فقال إنه “تلخيص ضابط لقوانين أعمال الحساب مفيد، شرحه بكتاب سماه “رفع الحجاب [عن وجوه أعمال الحساب]”، وهو مستغلق على المبتدئ بما فيه من البراهين الوثيقة المباني، وهو كتاب جليل القدر أدركنا المشيخة تعظمه”. وخلف ابن البنّاء ثروة هائلة من المؤلفات في مختلف فروع المعرفة المتداولة في عصره، وبلغت أكثر من عشرين عنوانا في الرياضيات ونحوها في علم الفلك.
ومما تميزت به المدرسة المغربية في الرياضيات، وضع ابن البنّاء لبراهين مبتكرة على حلول معادلات الدرجة الثانية ليست استعادة لما صنعه الخوارزمي وتابعوه من المشارقة. وتتميز هذه الحلول بأﻧﻬا جبرية خالصة غير مشوبة بالأشكال الهندسية كما كان الشأن من قبل. وبذلك تكون هذه المدرسة قد استقلت بعلم الجبر استقلالا عن الهندسة. واقترح علماء المغرب صيغا تقريبية لاستخراج الجذور لم تكن معروفة في المشرق، كما فعل الحصّار وابن البناء. ولو أردنا في النهاية إيجاز ما تميزت به المدرسة المغربية في الرياضيات لقلنا إنه يتمثل في استعمال الأرقام الغبارية، واستعمال خط الكسر، وابتكار نظام متكامل من الرموز لكتابة الصيغ الجبرية والمعادلات من أي درجة كانت، وتخليص البراهين الجبرية من الهندسة، وإيجاد صيغ تقريبية جديدة لاستخراج الجذور. هذا، وإن كل هذه المميزات- عند التحقيق- لا تُخرج الرياضيات المغربية أو رياضيات الغرب الإسلامي عموما عن كوﻧﻬا تندرج في الإطار العام للرياضيات العربية.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى