الخصوصية المغربية في مجالات الفكر والعلم والإبداع

رغم أن المغرب – أو المغاربة- قد يشتركون مع دوائر أخرى من عالمنا الإسلامي في نفس الشروط والمنطلقات الفكرية والمعرفية إلا أن قراءﺗﻬم لتلك الشروط والمنطلقات قد تنتج أشكالا ثقافية ورمزية
وفقهية مختلفة عن تلك التي تم إنتاجها في المناطق الأخرى.
وهذا أمر طبيعي، لأن عمليةا لقراءة والتكييف تتم بناء علىا لشروطا لنفسية والتاريخية والاجتماعيةل لقارئ وليس فقط بناء على منظومة الأفكار والقيم.
وعندما نشير إلى الخصوصية المغربية في مجالات الفكر والعلم والإبداع فإن هذا يكون بالنظر، على الأقل، إلى أمرين اثنين:
الأول: كون هؤلاء الذين أنتجوا تلك المعارف والعلوم مغاربة بغض النظر عمّا إن كان هناك تميز أم لا عن غيرهم، على مستوى تلك النتاجات. بمعنى آخر، قد يشترك المغربي في هذا مع غيره؛ فالخصوصية تعني هنا تلك الروح والنسمات التي يصبغها المغربي على حقل اشتغاله، والتي لا يمكن أن تخرج عن فضائه الثقافي وعالمه الرمزي. فهذه خصوصية من نوع آخر، أقرب إلى ما يمكن أن نسميه ب”النبوغ المغربي”.
الثاني: كون هؤلاء المغاربة استطاعوا أن يؤسسوا مدارس فكرية وأدبية في مختلف العلوم والآداب… مختلفة ومتميزة عن المدارس الأخرى التي أسسها غيرهم في نفس الأجناس العلمية والأدبية. بحيث يمكن أن نتحدث عن مميزات خاصة بالفقه المغربي، أو التصوف المغربي، أو الفن المغربي أو الأدب المغربي أو الفلسفة المغربية أو العمران المغربي… وهكذا. وهذا ما يمكن تسميته ب”الخصوصية المغربية”. ويشير هذا الأمر إلى مسألة أساسية تتمثل في أن تمثٌّل الناس- المغاربة في سياقنا- للقيم والأفكار والمبادئ ليس تمثٌّلا واحدا؛ واختلاف التمثٌّل هو الذي يؤدي إلى اختلاف المدارس وتمايز الاتجاهات؛ أي يؤدي إلى الخصوصية، لكنها خصوصية في إطار وحدة في القيم الناظمة. فسواء تعلق الحال بالأمر الأول أم بالأمر الثاني فإن المشترك بينهما هو أن العقل المغربي في فترات من تاريخه استطاع أن يكون مبدعا ومشاركا ليس فقط في رحاب الحضارة الإسلامية إنما أيضا استطاع أن يرفد الحضارة الإنسانية في كثير من المجالات بإبداعات أسهمت في التطور الحضاري الإنساني.
ولن نستطيع في هذا الملف أن نسلط الضوء المعرفي على كل الجوانب التي نبغ فيها المغاربة وتميزوا ﺑﻬا عن سواهم، إنما قدمنا فقط بعض الشذرات، التي ليس هدفها إحياء الماضي وإيجاد مكان له بيننا، فالأساس في كل هذا هو أن ندرك أن القيم المشتركة والمبادئ الجامعة لا تستدعي بالضرورة اشتراكا على مستوى الإبداع والإنتاج الفقهي والثقافي والفني. خاصة وأن أمتنا الإسلامية تملك قيما رائعة تحمل في بنيتها الداخلية قدرة على توليد معارف وثقافات مختلفة. وهذا بالضبط ما يعطي للعقل الحرية الواسعة في إعمال عقله وفكره من أجل تحريك دلالات القيم وتثويرها لِتنتج معارف وأشكالا ثقافية تجيب عن الأسئلة والتحديات التي يحبل ﺑﻬا الواقع. فليس الأساس هو التنميط على مستوى الثقافة (بمفهومها الشامل الفكري والأنتروبولوجي) إنما الأساس هو الوحدة على مستوى القيم الناظمة لكل منتوج ثقافي.
