النظام الديمقراطي العلاج الوحيد للفساد

من المؤكد أن الرهان اليوم هو التغيير فكرا ومنهجا وسياسة وعملا وإستراتيجية، فالتحدي الحقيقي ما زال أمامنا، بمستوياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتوجهات الثقيلة التي يفرضها المحيط العالمي وآثار تقلبات المناخ على البيئة والطاقة والماء والفلاحة العنصر الأساسي في الاقتصاد المغربي.
لنكف جميعا عن الكلام الخالي من القيمة والتطبيع مع اللا معقول والنفاق والفساد والتهريب وتسويق الوهم، ونتجه صوبا للميدان لاكتساب قوة القول والفعل بإعداد قواعد والاتفاق على منظومة من القيم تحكمنا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا والتفكير مليا في منهجية نتجاوز بها حالات الاضطراب النفسي والسلوكي والقلق الملازمين لنا ، منذ اصطدامنا بالحداثة والشروع في إنجاز الإصلاحات الضرورية التي تعزز الأسس المتينة لاقتصادنا وتضمن لنا كرامتنا وسيادتنا والخروج من الأزمة بأخف الأضرار، ولنجعل من الجهوية الموسعة آفاقا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وترسيخ القيم الديمقراطية المحلية وفرصة سانحة لبلورة المؤسسات القوية بسيادة القانون والشرعية والبوابة الرئيسية للإصلاحات المستقبلية في كل الميادين مع تأهيل العنصر البشري، خاصة إصلاح نظام اللاتمركز الذي يتعين إعطاؤهم انطلاقة قوية وفق توجه جديد يراعي بالأولوية طابع المواكبة التنموية والاقتصادية والسياسية. وهذا تنزيل يطرح على أرض الواقع تحديات كبيرة في مقدمتها مسألة نوعية النخب السياسية القادرة على تدبير هذا المشروع الضخم بكل المقاييس، والذي يتعين أن يخدم الوحدة الوطنية ونماء كل جهة مع احترام طقوسها وعاداتها وخصوصيتها مع ضرورة إحداث مركز حضاري ومجلس اقتصادي لكل جهة وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ولا بد من الإشارة هنا إلى بعض الملاحظات:
بخصوص المؤسسة الإعلامية، فإذا لم نسع بخطى حثيثة إلى استقلالها وتحررها وتكريس التعددية التي تنعش الديمقراطية وتحسن المنافسة ونطبق مبدأ العدالة، خاصة في قنوات قطبها العمومي في اتجاه تحقيق المصلحة العمومية، ومواكبة هذه الإصلاحات بجدية، فإننا سنسقط في فخ الجبابرة السلطويين الكامنين وراء مصالحهم يلهثون، ويزيفون ويبدلون ويمكرون، فقد أضحت مبادؤهم مكشوفة وغير مرغوب فيها وطنيا ودوليا.
لذلك أؤكد هنا على الشجاعة الفكرية والأخلاقية والصلابة السياسية والثقافية للحكومة الحالية. فإذا لم نوفق في هذا الميدان، سنضيع فرصة لا مثيل لها فزمن الخوف والردة قد انتهى والسياسة الدبلوماسية الفلكلورية لم يعد مرحبا بها في بلادنا.
إن الرؤية الملكية السديدة والرشيدة لما مارست النظرية الاستباقية بحكمة وتبصر، وتم إخراج مسلسل الإصلاحات السياسية والتعديل الدستوري، وأشاد العالم بمسيرتنا الإصلاحية ازداد حينها حبنا وتعلقنا بملكنا ووطننا ذي التاريخ العريق والطبيعة المتميزة والموقع الإستراتيجي المهم، لذلك ينبغي لنا أن نتقدم إلى الأمام بدون رجعة، ولا يمكن أن يساهم أي فينا بجعل النظام السابق يستمر في الحكم بطريقة أخرى، بل يتعين علينا الحرص كل الحرص على المحافظة على السيادة الوطنية ووحدة المغرب ونمائه الجهوي وسلامته من الفوضى والصراعات المدمرة، فقد أنجزنا طرقا سيارة ومطارات وأعددنا بنيات تحتية لا بأس بها، ويجب أن يستعد الجميع للمزيد من العطاء والتضحية في سبيل مغرب متقدم، مع التأكيد هنا على تعزيز خيار الأمن الوقائي، فالانزلاقات نحو السلاح والسرقات والعنف في تصاعد مخيف.
تصوروا معي، إذا لم نقم بإصلاح المؤسسة الإعلامية اليوم، فليس هناك من يلعب دور الرقيب على التزام المسؤولين تجاه المواطنين، وستغيب القيمة التي تساعد على إغناء المعارف وزيادة الوعي وستضيع القوة الإخبارية في بلورة الانشغالات والمشاكل الحقيقية التي يعانيها المواطنون في المغرب.
فبهذه المؤسسة سنحقق نسبة كبيرة من المغاربة الذين سينخرطون بالاهتمام بالشأن العام وثباته على المبادئ والانسجام والتناغم التام في المواقف الذي لا ينفي احترام الرأي المخالف البناء، ولهذا أناشد اليوم المعارضة بالموضوعية، والدفع بالتي هي أحسن، فالصراع حول السلطة قد لا يحقق جميع الحريات، ولا يحدث التغيير الذي نريده، بل إنما أراه حاليا قد لا يؤدي بنا إلى الإجماع بدون فتنة في الوقت الذي نحن في حاجة لتأسيس الاجتماع السياسي العصري.
وأذكر هنا ضرورة الطرح الصريح والموضوعي كذلك لقضية الأسرة بالاعتماد على المرجعية الدينية التي تعتبر السبيل الوحيد لمعالجة تفكك هذه المنظومة وتصدعها وواقع الرياضة عندنا لا يبشر بتاتا بالخير وقضية التعليم ووظيفته مع استحضار الجوانب الأساسية والمستعجلة والتركيز على جانب الجدوى على مستوى العملية التنموية، وتوصيل المعركة كهدف لهذه العملية.
إن المحيط الاجتماعي والاقتصادي هو نفسه غير مندمج، فلا يعرف حاجياته، وما عليه، وهو عاجز عن توفير مناصب الشغل لكل الفئات والتخصصات، لأنه متخلف بسبب الأمية التي لا يمكن بوجودها أن نتحدث عن أي تقدم، لذلك يتعين علينا أن نرفع الأمية والتخلف عن المحيط، ونعمل على تبسيط المساطر وفرض الرقابة والمحاسبة والانضباط للقانون ومعالجة أمراض البيروقراطية وصعوبات المقاولات وتحسين تنافسيتها وتقليص الواردات، ونهج كل السبل لتبني معايير في هذا الباب تساعد أيضا على زيادة وتقوية التصدير هذه المرة ليس نحو أوربا، بل القارة السمراء وجلب الاستثمارات الخليجية خاصة في الميدان السياحي النظيف.
وبالنسبة إلى الجزائر، فبحكم الجوار والمحبة الخالصة للشعب الجزائري الشقيق أقول إن خلاص المغرب العربي من نظامي القذافي، الذي سبب لنا متاعب سياسية واقتصادية حقيقية، ومن نظام بنعلي الذي أقام اقتصاديات تونس على أسس واساليب غير عادية، وبأخطاء مغربية لضعنا فيها استثمارات خارجية في غاية الأهمية، فسقوط النظامين يعتبر حدثا مهما، فالشعوب المغاربية تواقة إلى وحدة المغرب العربي، والأفق المشترك والتكتل المتكامل، بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيقة والعوائق العارضة.
إن المغاربة وقلوبهم مفتوحة للتعاون والتعايش، لذلك أقول للنظام الجزائري إن السباق نحو التسلح والبحث عن الحصانة العسكرية، فلا يزيد إلا في تعميق أزمة كل بلد ما دام قد تجاوز الكفاية.
وبالنسبة إلى وضعنا المالي والبنكي، يتعين وضع حد للجشع والفوضى على مستوى العمليات البنكية والمؤسسات، سواء تعلق الأمر بمسألة الفوائد أو عدم المساهمة الحالية للبنوك في دعم الاقتصاد ومشاكل تدبير الحسابات والقروض والاعتمادات وضبابية التأمينات المرتبطة بها، وإعداد قانون بنكي يسمح للمجموعة البنكية الإسلامية بولوج دائرة المنافسة، ويكون قاطرة لتحول المغرب إلى قطب مالي إسلامي عربي على مستوى الدول العربية، وتقوية دور البورصة ليكون سوقا ماليا منافسا أيضا، وتصحيح الوضع الداخلي لنظام التعليم على مستوى البرامج ومواد التدريس ونظام الامتحانات والجهاز الإداري والتربوي، فمثلا بسبب سوء صياغة التعريب، حدث شرخ عميق في جيل بأكمله، وطرحت للنقاش مرة أخرى مسألة التقليد والمعاصرة في نظامنا التعليمي والتربوي والتكويني، فاستفاد البعض وأقصي البعض الآخر من أبنائنا الأجلاء الذين نكن لهم كل الاحترام والتقدير.
التـعـلـيــم معضلـة كـبـرى
إن التعليم معضلة من المعضلات الكبرى، فكل السياسات التعليمية في المغرب بما فيها من مضامين ومقررات كلها إضاعة للوقت وللجهد والمال. فعلينا أن نجعل منها قضية نتعامل معها بجرأة وحزم، بل إني كأب مغربي أتساءل عن جدوى ومردودية المستفيدين من المدارس الخصوصية والبعثات الخارجية والأموال العامة؟ فالمغرب اليوم في أزمة مركبة والحكومة الحالية مطالبة بتحفيز هذه الأجيال الجديدة على الإبداع، ولن يتحقق ذلك إلا بوضع سياسة ثقافية واضحة. إن المدرسة والجامعة وسيلتان رئيسيتان في التغيير، وهنا تطرح مسألة إدماج التعليم في المحيط الاجتماعي الاقتصادي، أي جعل التعليم يخدم هذا المحيط تكوينا وتربية وتعليما، ويلبي حاجياته ويقوي نموه وتطوره في الميدان العلمي والتكنولوجي لوجود علاقة ديالكتيكية بين المقاولة والمدرسة والجامعة.
بقلم: ذ عبد العالي العضراوي, رجل قانون
