سويسرا وحديث المئذنة…

لقد قدر لي أن أزور سويسرا في العام الماضي مرتين، وأن أزور العديد من المراكز الإسلامية بعدد من المدن السويسرية… وقد لاحظت خلال زيارتي مدى التعايش الحاصل بين المسلمين والسويسريين، ومدى لاحترام المتبادل بين الطرفين، فقلت في نفسي هذا هو التسامح الديني في أرقى صوره، وهذا هو التعايش بين الأديان الذي يعتبر المسلمون رواده الروحيين بامتياز.
كنت بين الحين والآخر أقوم بجولة عبر شوارع جنيف أو زريخ أو برن أو لوزان … وأنا أرتدي جلبابي المغربي الأصيل، وطربوشي الأحمر المتميز، فأجوب تلك الشوارع فلا أشعر بأي حرج، بل أشعر بالتقدير والترحاب، وأنا أظهر في زي يرمز إلى الإسلام الراسخ في المملكة المغربية الشريفة. وعندما زرت بعض المراكز الإسلامية ببعض المدن السويسرية التي يشرف عليها مغاربة أدركت مدى الحضور القوي للأمن الروحي الذي تشعه تلك المراكز، بنهجها أسلوبا يعكس روح الإسلام في الدعوة إلى الوسطية والاعتدال…
لكن كل هذه الأحلام تبخرت وخسفت بها نتائج الاستفتاء العنصري الذي أقدم عليه الشعب السويسري بتأثير من بعض الأحزاب العنصرية والذي أحدث جرحا عميقا في نفوس الجالية المسلمة المقيمة هناك، بل وفي نفوس كل المسلمين الذين تعلموا من دينهم الإسلامي الحنيف مبادئ التسامح الديني وطبقوه على أرض الواقع سواء بسويسرا أم بغيرها من البلدان الأوربية.
لا أظن أن الأمر يتعلق بحرب المئذنة والناقوس؟ كما كتب الصحفي المقتدر رشيد نيني؟ (جريدة المساء العدد 995 بتاريخ 15 ذو القعدة 1430 الموافق 3 دجنبر 2009) بل الأمر كما كتب أستاذنا الدكتور مصطفى بن حمزة أن المطلوب من المسلمين في ظل هذه الوضعية غير الطبيعية هو :” أن يعتبروا بروز هذا الموقف فرصة مناسبة للإعلان عن الموقف الحضاري الذي امتاز به المسلمون لما واجهوا وهم في أوج قوتهم وجود رموز غير إسلامية في حياتهم فتعاملوا معها بكل تسامح وثقة في الذات … ( سويسرا وخوف المئذنة، جريدة التجديد العدد2267 بتاريخ 14 ذو الحجة 1430 الموافق 2 دجنبر 2009).
إنه عمل غير صالح أن توظف الديمقراطية ضد القيم العالية والأسلوب الحضاري الذي يمثله ديننا الإسلامي الحنيف، الذي يجعلنا لا نملك إلا أن نستنكر بشدة هذا الفعل غير الطبيعي والبعيد كل البعد عن روح التسامح الديني والتعايش والتنوع الثقافي الذي يجسده الإسلام بحق في جميع أطواره وعلى صعيد البلدان التي وصلها الفاتحون المسلمون. أما في أوروبا فهي تردد كشعارات جوفاء أشبه ما تكون بالقضايا المنطقية الفارغة…
ولآن وقد أبان أغلبية السويسريين بتأثير من بعض الأحزاب العنصرية في اندفاع غير محسوب العواقب يعبر عن موقف غير طبيعي وغير حكيم والذي ألبس ثوبا ديمقراطيا مزيفا، فعليهم يراجعوا أنفسهم ويكفروا عن هذا الذنب الذي ارتكبوه في حق دين يدعو إلى السلم والتسامح ونبذ العنف والإرهاب ولا يكره أحدا على الدخول فيه.
الدكتور عبد القادر بطار
