Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
Uncategorized

مقدمة في مفاهيم التنمية البشرية في القرآن الكريم

على سبيل الاستهلال
منذ مطلع التسعينات من القرن الماضي بدأ تداول مصطلح التنمية البشرية، بعد أن أطلقته الأمم المتحدة من خلال برنامجها الإنمائي. ورغم تباين جهات النظر إلى هذا المفهوم، وتعدد طرق تفسيره، فإن صورة المصطلح تفيد بأن قوام التنمية ومحورها وهدفها هو الإنسان. وذلك بعد أن تعالت منذ مطلع ذلك القرن صيحات “اختلاط القيم الإنسانية” و”موت الإنسان” و”الجهل بالإنسان” و”أزمة الإنسان”… قادت إليها صورة عن مفهوم “التقدم” تختزله في الثروة التي صارت دولة بين الأغنياء! إلا أن التنمية البشرية، وإن نُحتت مصطلحا في الغرب اليوم، فإﻧﻬا تضرب  مفهوما  بجذور عميقة في الثقافة الإسلامية، بل وفي أهم مرجعيات هذه الثقافة، أي: القرآن الكريم. فلو بدأنا بالمصطلح، فإن أول ما نلحظه: عدم وجود لفظ “التنمية” في القرآن، ولكن مفهوم “البشر” و”الإنسان” الذي هو مركز الضميمة الاصطلاحية: “التنمية البشرية”، نلحظ له حضورا كبيرا في القرآن الكريم. فقد ورد مصطلح “الإنسان” بصيغتي المفرد والجمع إحدى وسبعين مرة، بينما يرد لفظ “بشر” سبعا وثلاثين مرة. وقبل النظر في خصوصية الدلالة القرآنية لكل من المصطلحين، فإن المؤشر الإحصائي وحده يدل على تفاوت بين قيمة الإنسان وقيمة البشر في التصور القرآني.
بين البشر والإنسان
فلفظ “البشر” لغة واصطلاحا قرآنيا يشار فيه إلى المكونات والخصائص المادية للجنس البشري، فالبشر في اللغة مشتق من البشرة وهي الجلد الذي يميز الإنسان عن الحيوان، وهذه السمة حاضرة في استعمالات القرآن الكريم للفظ البشر إذ يأتي في الغالب لبيان جنس الإنسان في مقابل أجناس مخلوقات أخرى كالملائكة، أو غيرها من المخلوقات المفارقة، وغالبا ما يأتي هذا التقابل على لسان منكري الرسالة ممن تصوروا أن الرسول لا ينبغي أن يكون من جنس البشر، كقوله تعالى على لسان قوم نو: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاء اللهَُّ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِين) [َالمومنون، 24 ] ، وقوله على لسان قوم صالح: (مَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)[الشعراء، 154 ] . أما الإنسان، فيتميز ببعده الروحي والنفسي، وبعده العقلي والمعرفي، وبعده الاجتماعي. ففي اللغة اشتق لفظ الإنسان من الإنس، وهو خلاف النفور، ومن ثم قيل إن الإنسان سمي إنسانا (لأنه خلق خلقة لا قوام له إلا بإنس بعضهم ببعض) 2 ولهذا قيل: الإنسان مدني بالطبع، أو اجتماعي بالطبع. لكن القرآن الكريم في استعمالاته لهذا اللفظ يضيف للإنسان قيما روحية ونفسية، وخلقية أخرى، الغالب عليها أﻧﻬا صفات ونعوت قدحية، منها الطبعي ومنها المكتسب، فالإنسان في الغالب: ظلوم، جهول، كفار، يئوس، قنوط، عجول، جزوع، منوع، خصيم، قتور. والإنسان أيضا خلق هلوعا، وخلق ضعيفا، وخلق في كبد. وفي مقابل هذه الصفات، نجد صفات إيجابية طبعية ومكتسبة: فهو خلق في أحسن تقويم، وعلمه الله البيان، وعلمه الله ما لم يعلم، ثم هو في خسر إلا إذا آمن وعمل صالحا 3. من هذا نستنتج أن مصطلح إنسان أكثر دلالة على القيم التي تحتاج إلى تنمية من مصطلح البشر. وهذا الاستنتاج لا يصحح الصياغة الشكلية لمصطلح التنمية البشرية فحسب، بل يدخل في صميم تأصيل تصور خاص لهذه التنمية، إذ باستقرائنا للمفاهيم التي خوطب بموجبها الإنسان سواء بلفظه أو بصفته، سنجدها أكثر شمولية وعمقا، وأكثر دلالة على التنمية المنشودة. ويأتي في مقدمة هذه المفاهيم، مفهوم الاستخلاف، ثم التمكين، فالعمارة، فالتكريم. فالاستخلاف، يشكل بداية الوجود الإنساني على الأرض، وبموجبه زود الإنسان بما يكفل له القيام ﺑﻬذه المهمة، وفي مقدمة ذلك العلم الذي لم يمنح لمخلوقات غيره، ومنها الملائكة: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم،( قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)[البقرة، 33 – 31 ]. إن الله عز وجل قدر بمشيئته أن يكون الإنسان مستخلفا في الأرض وقدمه في ذلك على الملائكة، فكانت تلك بداية التقدير له، بوضعه محورا لما سيجري على الأرض من أحداث جسام، كان على رأسها اصطفاء الرسل الذين سيكونون حلقة الوصل بين الله عز وجل: المستخلِف، والإنسان: المستخلَف. واصطفاءالرسلمنجنس البشر،أي من الإنسان، سمة أخرى من سمات هذا التقدير. وذكر الاستخلاف في القرآن الكريم مقرونا بالأرض ثلاث مرات من أصل ست هي عدد ورود المصطلح 4، يشير إلى سِمَتين لهذا المفهوم: الأولى أن الاستخلاف منوط ﺑﻬذه الأرض التي جعلت مكانا للاستقرار الدنيوي للإنسان، بما فيها من مكونات طبيعية جعلت ملائمة لقيام حياة إنسانية فوقها. ومعنى هذا أن نجاح الإنسان في القيام بمهمة الاستخلاف متوقف على حسن تدبيره لما في الأرض وما على الأرض من مكونات. والسمة الثانية، هي: وقتية الاستخلاف لأن ارتباطه بالأرض يعني أنه ينتهي بانتهائها، وهذا ينسجم مع دلالة لفظ الاستخلاف، فهو يعني النيابة عن الغير أو التصرف في ملك الغير، وهذا ما أكدته الآيات: كقوله عز وجل: (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) [هود، 57 ] ، فهو استخلاف مؤقت تتعاقب عليه الأجيال، وقوله: (آمِنُوا بِاللهَِّ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ)[الحديد، 7] ، وهو استخلاف متوقف على الوفاء بشروط المستخلِف وفي مقدمتها الإيمان به.
بين الاستخلاف والتمكين
 وأما مفهوم التمكين، فقريب من هذا السياق. فلكي يقوم الإنسان بتكاليف الاستخلاف، مكنه الله تعالى من تسخير ما على الأرض، وذلك هو التمكين. والتمكين تفعيل من المكان، وهو إقرار الشيء وتثبيته في مكان، وهو يأتي في القرآن الكريم بصيغة الفعل المسند إلى الله عز وجل، فهو وحده من يمكِّن الإنسانَ لما يشاء، ومن يمكِّن للإنسانِ ما يشاء. والناظر في موارد هذا اللفظ، يميز بين صيغتين له: صيغة التمكين في الشيء، وصيغة تمكين الشيء، الأولى خاصة بالتمكين في الأرض، والثانية عامة تشمل تمكين الدين والقوة والسلطة والمال 5. وهذا يعني أن التمكين للإنسان يتم عبر مستويين: الأول: حسي مادي يتم فيه تمكين الإنسان من التصرف في الأرض، وإقداره على جعلها موطنا له ومستقرا لمعاشه، ولذلك جاء ذكر “المعايش” مع التمكين في الأرض: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاًمَّاتَشْكُرُونَ)[الأعراف، 10 ]،أي ما يضمن الاستمرار في الحياة من طعام وشراب ولباس ونحوه. ويدخل في هذا المستوى تمكين المال والقوة والأولاد، وهو ما أشار إليه قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ)[الأحقاف، 26 ]. والثاني معنوي، يتم فيه تمكين الدين والأمن للإنسان: (وَعَدَ اللهَُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً)[النور، 55 ]، وهذا مستوى من التمكين يحوز بموجبه الإنسان على أهم الأسس الداعمة للحياة الكريمة، وهي الدين بكل القيم الروحية والخلقية والاجتماعية التي ينطوي عليها، والأمن الذي يضمن له ممارسة سائر حقوقه الطبيعية. وبوجود هذين المستويين من التمكين، يرتبط المادي بالروحي في تنمية الإنسان، ولا يصبح عمار الأرض وصلاحها مقتصرا على ضمان الرفاه المادي وتحصيل مستوى العيش الرغيد، بل أيضا، ضمان الأمن النفسي والروحي. ولعل هذا ما يفسر قصور مفهوم التنمية البشرية المتداول عن الإيفاء بالشروط الحقيقية لنمو المجتمعات ورقيها وأمنها المادي والروحي. وأما مفهوم “العِمارة”: فيستعمله القرآن الكريم نظيرا لمفهوم الاستخلاف: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَّ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ)[هود، 61 ]. فاستعمار الإنسان في الأرض يعني تفويضه لعمارﺗﻬا بإصلاح حالها لتصير قابلة للانتفاع ﺑﻬا.وهذا يعني أن الإنسان هو الفاعل الأساس في تأهيل الأرض وﺗﻬيئتها للحياة. وصيغة “استعمركم” كصيغة “استخلفكم” تدل على الإنابة والتفويض، وهو تفويض مؤقت مرتبط بالزمن الأرضي الدنيوي، والنجاح في تكاليفه مشروط بالعبادة وإقامة الدي. فالعمارة إصلاح و”تخليق” شامل للحياة.وهذا شرط لازب للتنمية الإنسانية الفاعلة. في مفهوم التكريم ومن أبرز المفاهيم التي تدل على تنمية الإنسان، مفهوم “التكريم”، وهو في القرآن الكريم على مستويين: تكريم دنيوي وتكريم أخروي، الأول مرتبط بالوجود الدنيوي للإنسان في الأرض، واستخلافه فيها،وتمكينه من عمارﺗﻬا، وهو بذلك يعني: تشريف الإنسان وتخصيصه بالمقومات الذاتية التي تمكنه من القيام بتكاليفه ومسؤولياته:(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِير مٍِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)[الإسراء، 70 ]. والثاني: مرتبط بالوجود الأخروي، حيث يكون الأكرم عند الله عز وجل، أي الأفضل مترلة، هو الأتقى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَِّ أَتْقَاكُمْ)[الحجرات، 13 ]، وفي مقابل التكريم يستعمل القرآن فعل الإهانة: (فَأَمَّا الْإِنسَانُإِذَامَاابْتَلَاهُرَبُّهُ فَأَكْرَمَهُوَنَعَّمَهُفَيَقُولُرَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ)[الفجر، 16 – 15 ]، وهذا التقابل هنا بين التكريم والإهانة جاء على لسان الإنسان الجاحد للنعمة الذي يظن أن إغداق النعم عليه تفضيل له وتشريف، فيفرح به ويطغى ويفسد، وأن إمساك الرزق عنه إهانة له، فيكفر ويجحد. وهذا تصور خاطيء لمفهومي التكريم والإهانة، لأن التوسيع في النعم والإمساك في الرزق، إنما هو ابتلاء يمحص من خلاله الإنسان، والتكريم لا يكون بالنعم والرفاه المادي، ولا الإهانة بإمساك الرزق وتضييقه، وهذا ما ألمحت إليه آية أخرى في سياق آخر: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهََّ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِير مٌِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللهَُّ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللهََّ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)[الحج، 10 ]. فالإهانة الحقيقية للإنسان هي أن يسجد لغير الله، والسجود هنا خضوع وتذلل، وأن يتحمل تبعات ذلك في الآخرة: من عذاب أبدي، والتكريم هو في العبودية المطلقة لله وحده، والعمل بمقتضاها الذي يضمن له النعيم الأبدي. إن تكريم الإسلام للإنسان، يعكس قيمته عند الله عز وجل من جهة، وهذا هو وجه التشريف في التكريم، ويعكس خطورة الأمانة التي يتحملها من جهة ثانية، وهو وجه التكليف فيه. ومتى حافظ الإنسان على توازنه في السير في هذين الخطين، وكذا توازنه في تحصيل مظاهر الاستخلاف والتمكين،ضمنإنجاحمهمةعمارة الأرض، وضمن ما يترتب على ذلك من نماء له وللكون الذي يعيش فيه، وحقق بذلك الشمولية والعمق المطلوبين في التنمية الإنسانية المنشودة.
 

هوامش
 وينظر أيضا الآيات: الأنعام، 91 ، هود 27 ، إبراهيم 10 ، النحل 103 ، الإسراء 94 ،93 ، الأنبياء 3، المؤمنون 47 .
2  مفردات القرآن للراغب/ أنس.
3  ينظر مادة (أنس) في المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، لفؤاد عبد الباقي.
4  المقصود هنا مصطلح الاستخلاف فقط، ولا يدخل في هذا الإحصاء مشتقات أخرى كلفظ خليفة وخلائف وخلفاء.
5  ينظر: الكهف 84 ، والأنعام 7.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى