من الحداثة المادية إلى الحداثة الأخلاقية: دور المسلم في ترشيد الانتقال

موضوع الحداثة الذي يعتقد الكثيرون أنه استُهلك من كثرة ما كتب وقيل عنه، لا زال يُطرح بنفس الإلحاح الذي طرح به على عهد الأفغاني ومن سبقوه ومن تلوه، ومن هنا يأتي اهتمامنا بالموضوع. وبكل تأكيد، فلفظ الحداثة Modernité شاع استعماله في العلوم الاجتماعية وحتى في اللغة العامية، لدرجة يعتقد معها الكثيرون أن معناها أضحى من الوضوح بحيث لا يقتضي أي تعريف. لكن، وهذا أكيد أيضا، أن الاستعمال المفرط لأي لفظ يفضي إلى إدخال اللبس عليه وإلى تضارب المفاهيم لدرجة يفقد معها الاصطلاح مدلوله الأصلي… لكل ذلك فتحديد المفاهيم أمر ضروري ونافع، بما استوجب تخصيص حلقة هذا العدد له.
إذا كان المدلول اللفظي لا يحيل إلا على ما هو حديث وجديد في زمانه، فالمدلول الاصطلاحي أكثر تعقيدا، وأسهم في تعدد معانيه التراكم الثقافي للقرنين السالفين بخاصة. بحيث أضحى الأمر يتعلق بحداثات Modernités وليس حداثة واحدة:
فهناك الحداثة اللاتينية أو القديمة، وهي التي تمخضت عن عصر الأنوار والفلسفات المادية التي تبلورت خلاله، مما أستعجل الثورة الفرنسية ( 1789 ). ولارتكازها على نظريات فلسفية، فقد جاءت حداثة ثقافية فلسفية وسياسية أيضا. تلخصت مبادئها الأساسية في التمرد على الكنيسة وتسلطها واستبدادها (سياسية). لكن بما أﻧﻬا لم تميز بين استبداد الكنيسة وبين المبادئ الدينية، فقد جاءت على شكل تمرد على الدين برمته، بما أفضى للفصل بين الدين والدولة وصدور قانون اللائكية في فرنسا (سنة 1905 ). ومن سماﺗﻬا أيضا العلمانية في معنى إقصاء كل تفسير ديني للعلم؛ والتعقيل المنفصل عن الإيبستمولوجيا؛ والفردانية… وهي حداثة سياسية اعتبارا لكوﻧﻬا، انطلاقا من النظريات الفلسفية إياها، أنتجت قيما جديدة تنتصر لحقوق وحريات الأفراد والمساواة وإشراك المواطن في تدبير الشأن العام (الديموقراطية)… وكل هذه المبادئ والقيم الجديدة ظاهريا استُقيَت من مبادئ تراكمت عبر التاريخ الطويل للبشرية، بدء من ديموقراطية أثينا إلى حقوق الإنسان كما أقرها القانون الروماني والشرع الإسلامي.
لكن، إذا كانت الحداثة الثقافية انتصرت لحقوق وحريات الأفراد وضمَّنتْها في التصريح العالمي لحقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 ، فإن تطبيقها قاد فرنسا، للتو، للانخراط في مسلسل استعماري (ضمُّ شمال إيطاليا سنة 1795 ، احتلال مصر سنة 1798 ، الجزائر سنة 1830 …). الحداثة الأنجلوسكسونية: وتعود بداية نشأﺗﻬا إلى فترة قريبة من السالفة. ورغم تشاﺑﻬها مع الحداثة اللاتينية في ضمان الحقوق (حقوق الطبقات البرجوازية وذوي النفوذ، ولم تمدد إلا لاحقا بعض الحقوق للمواطنين العاديين والرعايا الإنجليز)، وتتماهى معها في التسابق على الأسواق واستعمار العالم، فهي لم تؤمن باللائكية ولم تجعلها ركيزﺗﻬا الأساس. ومع أﻧﻬا اعتمدت فلسفة عصر الأنوار لكنها، سياسيا، لم تتعامل مع الدين بالشكل الراديكالي الفرنسي، لذلك أنتجت حداثة توفق بين الثورة العلمية والصناعية وبين الأعراف والتعاليم الدينية (الكنسية). وامتد شكل الحداثة هذا إلى أمريكا الشمالية بحكم ارتباطها السياسي آنذاك بالبلد الأم.
واكتملت مسيرة الحداثة الأنجلوسكسونية في فترة ما بعد الاستعمار وما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث برزت معالم حداثة سياسية، اقتصادية ومالية، رائدﺗﻬا أمريكا
