Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
Uncategorized

من لغة »الثنائيات« إلى لغة »التخصيب المتبادل« و »التركيب المتجانس «

ألفت الأذن العربية، المنصتة إلى النتاجات الفكرية الحديثة والمعاصرة، تمحورَ هذا الفكر حول ثنائيات وتقابلات تستقطب كل القضايا والإشكالات المرتبطة بالفضاء العربي الإسلامي، على غرار الإسلام والحداثة، الإسلام والديمقراطية، الإسلام وحقوق الإنسان، الإسلام والدولة…إلخ. وإن كان لهذه الثنائيات ما يبررها في المرحلة السابقة، فإﻧﻬا تبدو اليوم ثنائيات مغلوطة وغير منتجة. فبالنظر إلى ما استجد على الساحة الفكرية من تحولات وتطورات، يبدو أن هذه الثنائيات، التي حوْلها تشكَّلت ذهنياتُنا، أصبحت تعيق التفكير وتحجب الرؤية.

ولا نبالغ إذا قلنا أن هذه القضية تعتبر سمة بارزة للخصوصية الفكرية العربية، ذلك أﻧﻬا تصبح عديمة المعنى، وغير ذات موضوع خارج الفضاء العربي الإسلامي؛ فهي تعكس، بشكل من الأشكال، انقسام المجتمع عموديا وانشطاره على المستوى المرجعي. فقد أصبح كل قسم، أو شطر، ينتمي إلى منظومة مكتفية لذاﺗﻬا، منكفئة على نفسها، لا يجمعها إلا التناكر والتنافي المتبادل. ولعل هذا ما يفسر شيوع أجواء التوتر والاحتقان التي تميز حياتنا الفكرية والثقافية والسياسية. وإن استمرار ظاهرة التقاطب هذه، يعمل على إدامة الحرب الثقافية الباردة التي تخيم على الفضاء العربي الإسلامي.
إن نشوء هذه المنظومات المكتفية لذاﺗﻬا والمنكفئة على نفسها، يجد جذوره في الظروف التي تشكلت بعد اشتداد المدِّ الاستعماري، ثم تحقيق الاستقلالات السياسية، وولادة الدولة القومية الحديثة. ولعل هذه الظروف مجتمعة قد ساهمت فيتوطيد فكرة الصراع وتغذيتها، الأمرالذي أدى إلى انشطار المجتمع عموديا، إلى مجتمع ينشَدُّ إلى مرجعية الأمة التاريخية، ومجتمع يستند إلى تجربة الغرب الحاضرة. وتطورت مجتمعاتنا في سياقين مختلفين لا تجمعهما إلا لغة التصادم والنفي والنفي المضاد؛ وطوّرت كل منظومة قاموسا خاصا ﺑﻬا، فمن جهة تتضخم لغة الخصوصية والأصالة والتميز، ومن جهة أخرى ترتفع أصوات الحضارة والكونية والمعاصرة. فأصبحت كل منظومة لا تُحَدِّد هويتها إلا من خلال نفي أو هدم هوية المنظومة الأخرى. وبعد ما يزيد على نصف قرن من الزمن، أسفر هذا التقاطب وهذا الانشطار عن تشكُّل واقعٍ كارثي (انحطاط على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي، واﻧﻬيار على المستوى الأخلاقي والقيمي والتربوي، ناهيك عن ارﺗﻬان بلداننا أرضاً وبحراً وسماءً وإنساناً)، كما أننا استيقظنا على أوهام الشعارات التي رفعها هذا الطرف أو ذاك، لنجد أنفسنا أمام سرابٍ، طالما صوَّروه لنا ماء. أليست هذه التجربة كافية لإدراك مآزق منطق التقاطب ومآلاته؟ ألم يحن الوقتُ بعدُ للعمل على نقضه وتجاوزه؟
وإذا أضفنا إلى كل ما سبق التحولاتِ التي يعرفها عالمنا المعاصر، والتي تؤشر على بداية مرحلة وانتهاء أخرى، سندرك مدى ضرورة إعادة النظر في الأسس التي انبنى عليها منطق الثنائيات، وأهمية مراجعة الإشكالات التي اشتغل عليها؛ إذ أن اﻧﻬيار نظام الثنائية القطبية، وتصاعد مدِّ العولمة، وبروز مجتمع المعلومات، وهيمنة اقتصاد السوق على كل مرافق الحياة الإنسانية، واحتضارالدولة القومية وما يصاحبها من ضمور السياسي وتراجع السيادة، كل هذه العوامل مجتمعة تدفع في اتجاه تأسيس منطق جديد وإعادة صياغة قضايانا الفكرية.
إن التعاطي مع هذه التحولات وتحدياﺗﻬا يتنافى ومنطق المنظومات المنغلقة التي انبنت على أوهام الاكتفاء والاستقلالية والتميز،بل يتطلب فتح هذه المنظومات، بعضها على بعض من جهة، وعلى العالم من جهة أخرى. فكم تبدو كل منظومة على حدة، أمام زخم هذه التحولات، فقيرة بما لديها وعاجزة! وكم تبدو في أمس الحاجة إلى المنظومات الأخرى! إن عملية الفتح هذه لن تتحقق إلا بالتخلي عن الوثوقية في التوصيف ونبذ الإطلاقية في الأحكام، وذلك بنفخ روح المرونة في الاستشكال والتواضع في الطروحات والنسبية في المقاربات. إن الأمر هنا لا يتعلق بمزج المنظومات وفق منطق الترقيع والتلفيق، بل الفتح يقتضي التخصيب المتبادل والتركيب المتجانس. وهنا تصبح كل منظومة ضرورية لاستمرار الأخرى، ولا تتحدد هويتها إلا بما تملكه من قيم مضافة تتكامل ﺑﻬا مع المنظومة الأخرى. فالمنظومة التي تستند إلى مرجعية الأمة التاريخية لم تعد ذاتا أصيلة كما تتوهم، بل أصبحت كيانا مدخولا تسكنه »الغيرية «. كماأنالتجربة الغربيةلاتتعالى عن التجارب الأخرى أو تدعي الاستغناء عن الآخر؛ فبقدر ما هيتؤثر في الآخر، تتأثر به، وبقدر ما تسكن الغير، يسكنها. ومن هنا فإن التجربة الغربية لم تعد ملكا للغرب وحده، بل صارت إرثا إنسانيا مشتركا، بما لها وما عليها، لأن القيم المؤسِّسة لهذه التجربة ليست من ابتكاره وحده، وإنما هي حصيلة مجموع الخبرات والتجارب التي تراكمت عبر مسيرة الإنسان التاريخية. إن التخصيب المتبادل، الذي تمت الإشارة إليه، بين التجربة الغربية مثلا، والمنظومة الإسلامية، هو الذي سيميز بين المقاصد والوسائل، وسيكشف عن الكوني في هذه التجربة والخصوصي، ذلك أن الكوني يتعالى عن التاريخ والجغرافيا، أما الخصوصي فيبقى سجينا داخل حدود الزمان والمكان. فإذا كان الغرب فرصة للمنظومة الإسلامية كما هو دارج داخل الغرب، فإن المنظومة الإسلامية هي فرصة للغرب كذلك.
… في الحقيقة لا أجد كلمات تعبيرية عن هذا المشهد الذي حاولت أن أتحدث عنه في البداية، مثل الكلمات التي أطلقها المفكر الفرنسي ألبير كانيو بعد كارثة هيروشيما، يقول: إذا كان القرن السابع عشر هو قرن الرياضيات، والقرن الثامن عشر هو قرن العلوم الفيزيائية، والقرن التاسع عشر هو قرن العلوم البيولوجية، فإن القرن العشرين هو قرن الخوف والقلق، إنه قرن الخوف والقلق، لماذا؟ لأن هذا القرن تراكمت فيه جملة التحديات والأزمات التي صاحبت هذه الحضارة -وسنأتي لماذا- لتجعل البشرية أمام سؤال وجودي: نكون أو لا نكون! بحيث إن البشرية لأول مرة أصبحتمهددة فيوجودهاعلىمستويين: المستوى البيولوجي والمستوى الثقافي. المستوى البيولوجي: هناك تراجع في الأنواع البيولوجية بدأ يهدد الاستقرار؛ استقرار الحياة، إلى الأزمة التي تطال نظامنا البيئي، وتخلخل التوازن (الإكولوجي) في الكون من تلوث، ومن الثقب التي أصابت، الأوزون إلى غيرها، بحيث أصبحت هناك فعلا علامات ﺗﻬدد الحياة بالمعنى البيولوجي.
الجانب أو التحدي الآخر الذي يهدد البشرية آت من الناحية الثقافية؛ لأن الإنسانية تتميز عن الحيوانات الأخرى بكوﻧﻬا كائنات (بيوثقافية)، ولأن الثقافة هي التي تميز الإنسان عن الحيوانات، حتى هذا البعد الذي كان يعطي للإنسان فرادته وتميزه أصبح مهددًا بفعل طبيعة الحضارة المعاصرة التي تنحى منحىً تأحيديا نمذجيا يلغي ويدمر كل التنوع الثقافي، بحيث أننا أصبحنا اليوم أمام ثقافات معدودة بعضها حُوّل إلى فلكلورات وبعضها ما زال يقاوم، ولكن ليس من مصلحة الغرب نفسه أن نعيش هذه الأزمة، أزمةَ تراجع التعدد الثقافي، بل التعدد الثقافي أصبح أحد المخارج الأساسية من الأزمة التي يعيشها الغرب نفسه ويعيشها الإنسان المعاصر.
——
مصطفى المرابط
أزمة العقل البشري في القرن الواحد والعشرين،
برنامج الشريعة والحياة 04 يونيو 2004 قناة الجزيرة القطرية.
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى