نصيحة بن بيه، أحد كبار علماء العالم الإسلامي، إلى الأمير مولاي هشام: عقد البيعة وجدل ثيوقراطية النموذج

في مقاله حول الدرس الحسني الأول لسنة1432 هـ2011 م تعرض الأمير مولاي هشام الى عقد البيعة فجانب الصواب وما هو قطعي في القران والسنة النبوية الشريفة من كون عقد البيعة ثلاثي الابعاد، فالعقد ميثاق والله سبحانه وتعالى كفيل ضامن، وليس مجرد شاهد.
يعد مفهوم التعاقد مفهوما شائعا في القرآن الكريم في مجال البيعة (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) وقوله جل وعلا (إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ) إلى قوله تعالى (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم ) والحق سبحانه وتعالى استقرض عباده (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة )، وهذا أسلوب شائع في القرآن الكريم، وهو عند أئمة العقيدة على ما يليق بجلال الله تعالى وكماله ؛ فهو تعالى مع كل متعاقدين لأن العقد ميثاق وهو سبحانه وتعالى كفيل ضامن، وليس مجرد شاهد ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا).
الرقابة ثلاثية لحسن تطبيق خلافة الإنسان في الأرض
ونجد أن الأطراف الثلاثة مذكورة في سورة التوبة (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون …) وأن الآية دليل على أنه تعالى يرى عباده فيحاسبهم على أعمالهم يوم القيامة، والرسول عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه – من العلماء والحكام – يرونهم لإقامة الشريعة والعدل، والمؤمنون يرونهم بالنصح والمحاسبة مميزين للصلاح من الفساد والحق من الباطل، ولذا فإن الرقابة ثلاثية لحسن تطبيق خلافة الإنسان في الأرض ،ومن هنا ندرك الأبعاد الثلاثة للبيعة ونعلم أنه تعالى مع الحق والبر والوفاء، فهو سبحانه مع الطرفين إذا هم وفوا بمقتضيات البيعة-(الوفاء بالعقد)-، وإذا لم يوفوا فان تلك المعية الربانية التي تؤذن بالبركة والتوفيق والتسديد سترفع عنهم، وهي معية خاصة لأوليائه شعر بها النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عنها ‘‘ لا تحزن إن الله معنا‘‘ وموسى عليه السلام (كلا إن معي ربي سيهد يني)، وهو ما يفسره الحديث القدسي الذي رواه أبو داود ‘‘ أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه‘‘ ومعنى ذلك أن شرطه تعالى في المتعاقدين أن يكونا على استقامة وهي الاستقامة الدينية والدنيوية التي أختصرها العلماء في الكليات الخمس (في الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) التي تقتضيها البيعة الكبرى، فالبعد الإيماني للبيعة هو ما يجعل منها ذات أبعاد ثلاثة كما أشرنا إليه في آية التوبة، والله سبحانه مع البر والوفاء، ومما يفسر البعد التعاقدي قول الخليفة الأول أبي بكر الصديق عليه رضوان الله “أنا أجير المؤمنين” حين قرر الصحابة الكرام مرتبا له من بيت المال ومنعوه من ممارسة أعمال التجارة التي كان يعيش بها. لكن إدراك كل ذلك يحتاج إلى فهم وذوق ليس متاحا لكل أحد.
تكليف الإنسان بإعمال عقله وفكره ليصل إلى الصلاح العام
يبقي التنبيه أن الإسلام هو مثال تجب محاولة الوصول إليه، وبقدر ما نقترب منه يكون وضع العدالة أفضل، ويكون الإنسان أسعد. و نظام الشورى الإسلامي ليس نظاما جامدا ومتصلبا بل قابل للتطور والتطوير، وقابل للإفادة من التجارب الإنسانية التي تحترم الثوابت والمرجعية وتقدر الأولويات والضرورات الاجتماعية والأمنية.ولذا فمرجعية الشورى هي ربانية بتطبيقات إنسانية، وهذا يعنى أن الإنسان وهو يتولى سيادة اختيار الحاكم عن طريق البيعة والشورى له أن يضع الأنظمة الكفيلة بنجاح العملية، وهي أنظمة تتأثر بالزمان والمكان والمصلحة التي هي أساس الشريعة على حد تعبير الشاطبي، ولكن مع ذلك فإن خاصية النظام الإسلامي هي أن كل شيء هو لله ، فهو الذي له الخلق، فهو خالق الخلق و الكون لكنه لم يخلقهم ويتركهم بل أمرهم ونهاهم. وهذه العلاقة بين الخلق والنظام (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) تتطلب فهما دقيقا لطبيعة النظام الإسلامي، “فالثنائية” بين السيادة المطلقة للخالق في الأمر : وهو أصول التشريع وثوابته وتحديد الحق والباطل، وفي نفس الوقت بين الإمكانية المتاحة للإنسان ؛ وليس فقط الإمكانية ولكن التكليف للإنسان بإعمال عقله وفكره ليصل إلى الصلاح العام.
هذه “الثنائية” هي التي ربما تجعل البعض يصف خطئا النظام الإسلامي بصفة الثيوقراطية .
إن الانسجام بين هذه الثنائية يمثل حجر الزاوية في النظام الإسلامي، وهذا ما يجعله بعيدا من الثيوقراطية التي هي في المفهوم الغربي تفويض إلهي للحاكم.
عبدالله بن بيه
نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
رئيس المركز العالمي للتجديد والترشيد بلندن
استاذ الدراسات العليا بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة
