Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
Uncategorized

الإنسان كأنموذج للعالم

يستعرض د. عبد المجيد الصغيّر مواقف المفكر المغربي والناطق الرسمي بالاتجاه الصوفي الدرقاوي بالمغرب أحمد ابن عجيبة ( 1224 هـ- 1808 م)، الذي اعتبر »أعجوبة « زمانه، مواقفه الفلسفية والفكرية بخصوص نظرته إلى الإنسان. وقد سبق للأستاذ الصغير أن نشر هذا البحث ضمن سلسلة من البحوث التي ضمنها في كتابه »التصوف كوعي و ممارسة.

أ- ازدواجية التكوين
يملك الإنسان في اعتقاد ابن عجيبة نوعين من
الوجود، وجودا قبل خلق جميع الكائنات وآخر تال لهذا الخلق. وإذا كان الوجود الإنساني التالي مسألة مفروغا منها وقضية مقررة إلا أن ابن عجيبة يرى أن الإنسان يملك وجودا أصليا سابقا لوجوده في هذا العالم يتمثل في ذلك »النموذج « للإنسانية الذي هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم: فأول ما خلق الله في الوجود أنموذج أو قبضة نورانية كانت تمثل نور النبي عليه السلام وهي فكرة تعتبر صدى لما
نجده لدى جميع الصوفية وربما أيضا لدى كثير من أهل السنة، مستدلين على ذلك بما يعرف »بحديث القبضة « الذي أورده ابن عجيبة – رغم طوله- والذي جاء في أوله أن أول ما خلقه الله نور النبي.. ورغم كون ابن عجيبة يعترف بضعف هذا الحديث إلا أنه يحاول أن يعضده بنصوص أخرى في نفس الموضوع 1.
غير أن ابن عجيبة يعتقد أن هذا الوجود السابق الذي يقال عن »القبضة المحمدية « يشمل أيضا وجود أرواح كافة البشر؛ ف »مبدأ الإنسان في رتبة الكون ومنتهاه التقدم له والتأخر عنه. فجيش الأرواح سابق على الكون بعد طيه، فهو أول الكون ومنتهاه 2« . ومن ثم كان للإنسان الواقعي »مثال « أو أنموذج في العالم الذي كانت توجد فيه روحه، إذ فيه» شبه بالصمدانية الأزلية لأن فيه (أي في الإنسان): الأولية والآخرية، والظاهرية والباطنية. فروحه أول الكون وتبقى بعد فنائه 3« . وإذا كانت هناك بعض الكائنات ذات طبيعة نورانية محضة كالملائكة والبعض منها تغلب فيه الظلمة على النور، كالعجماوات، فإن امتياز الكائن البشري يتمثل في وجوده بين المستويين من النوعين السابقين، فعلاوة على تغلب عنصر الروح أو الفكر في الإنسان على العنصر المادي، فقد شرفه الله على باقي الكائنات بأن وضعه في قالب كثيف يتمتع، لذلك، بوجود »واقعي« محسوس، وجعل هذا القالب الواقعي في أحسن تقويم. وكلا العنصرين، الفكري والمادي، مكنا الإنسان من التحكم في الطبيعة والسيطرة عليها مما أصبح الإنسان معه فعلا»خليفة « لله 4: ولذلك علمه الله »الأسماء « كلها ثم أعطاه سبع صفات »إلهية «، غير أﻧﻬا ضعفت، في رأي صوفينا، باختلاطها بالحس، وهي: القدرة- الإرادة- العلم- الحياة- السمع- البصر- الكلام. فأصبح الإنسان بذلك »أنموذجا « للصمدانية الربانية، وصار ذلك الأنموذج يحاكي كل الوجود ويكون نسخة منه. ومن ثم جاء في الحديث »إن الله خلق آدم على صورته 5« . ونظرا لضرورة الروح والجسد في الوجود الإنساني كان مستقبل هذا الإنسان متوقفا على خضوع الأدنى والأنقص للذي هو »أرقى « وأكمل أي خضوع الجسد للفكر أو الروح. فمن غلبت روحانيته على ماديته استطاع أن يكون فعلا خليفة الله والعكس صحيح 6. فمن مجاهدة النفس أو الروح لهذا » المحل السفلي الذي تقررت في الروح يبتدئ طلوعها وعروجها إلى محلها الأصلي الذي هو عالم الملكوت أو الجبروت 7« .
ب- تطور “الأنموذج”
في شرحه لقوله تعالى: ( قل الروح من أمر ربي) يرى ابن عجيبة أن الآية ناطقة بأن الروح سر من أسراره تعالى، فقد كانت هذه الروح الإنسانية »في الأصل علامة لما كان وما يكون، دراكة دقائق الأشياء على ما هي عليه « إلا أن روح الإنسان بعد الخلق، تكثفت إظهارا لحكمة الله وقدرته، فانحجبت عن أصلها وغاب عنها ذلك العلم والإدراك ونسيت معاهدها ومعالمها، اشتغالا بتدبير هذا الهيكل الطيني 8. غير أن الروح مع ذلك تحن إلى أصلها وتستطيع الاتصال بذلك العالم بل واسترجاع بعض ما فقدته فيه- كما سبق وأن ادعى ذلك أفلاطون 9- وتحاول بفضل أنواع مختلفة من »التطهير « مجاهدة جميع العوائق متسمية باسم خاص عند كل درجة من درجات ذلك التطهير أو ذلك الترقي نحو العالم »الأصلي« فهي في حالة خلودها إلى المادة تسمى »نفسا « ثم إذا صفت قليلا تسمى »عقلا « ثم »قلبا « ثم »روحا « ثم أخيرا تصبح »سرا « كما كانت في البداية »فهذا كان أصلها سرا من أسرار الله 10« . وليس هذا »السر « الذي تميزت به روح الإنسان الأصلي سوى علاقتها بما سيسميه ابن عحيبة »الروح الأكبر « أو الروح الأعظم؛ إلا أنه بعد عملية الخلق والتكوين والوجود الإنساني الفعلي في هذا العالم، فإن حكمة الله اقتضت سلب الإنسان ذلك العقل الأول الذي كان كله علم واطلاع على الغيب، بعقل أصغر يتدرج مع الإنسان حسب تطور نموه العضوي. »وﺑﻬذا العقل- يقول ابن عجيبة- حصل لها ( أي للروح الإنساني) الشرف على سائر الحيوانات واختصت بحمل السر، وهذا السر هو »الأمانة « التي عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها… وحصل لها الشرف التام إن حملته، وإلا التحقت بالبهائم 11« . هكذا إذن يصبح الإنسان »أنموذج « العالم العلوي والسفلي معا سواء من حيث معناه أو من حيث حسه: فمن حيث معناه يعتبر الإنسان، متمثلا في نور النبي صلى الله عليه وسلم، نموذجا للصمدانية كما أن الروح »أصلها ملكوتية لا يحصرها كون 12« .
ج- الإنسان في بعده المادي
هذا من ناحية روحانية الإنسان أما من حيث بعده المادي فإن ابن عجيبة يرى أن »جسد بني آدم مشتمل على ما اشتمل عليه العالم بأسره، جعله الحق تعالى »نسخة الوجود « يحاكي بصورته كل موجود… 13« . وشبيه ﺑﻬذا قول الغزالي 14 إن الله تعالى أنعم »على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم حتى كأنه كل ما في العالم: إذ هو نتيجة ما في العالم »مختصرة .«…« وﺑﻬذا الصدد واعتمادا على نتائج التشريح الطبي المعروف في عصره يحاول ابن عجيبة حصر »مزايا « الجسد البشري و »حكمة « تركيبه الدقيق والوضع الذي عليه أطرافه وأعضاؤه وغير ذلك من عناصره بحيث يؤدي كل عنصر أو عضو مهمته، وعلى مختلف مراحل العمر، بكيفية كاملة ومتناسقة مع سائر أجزاء الجسم. ويختم ابن عجيبة كلامه الطويل في هذا الموضوع بقوله: » إن هذه كلها نعم حسية، فكيف بالنعم الباطنية؟!…( وهي مما) لا يحصره العقل ولا يعده النقل… ولذلك كانت عبادة التفكر( في مثل هذه النعم والحكم) قدرها عند الله عظيم، إذ لا يتوصل إلى هذه العجائب إلا بالتفكر 15« . ونظرا لشدة تعقيد هذا الجسد الإنساني فقد صار لأجل ذلك نسخة الوجود الحسي مثلما كان بروحه نسخة الوجود المعنوي المثالي. فعلى حد قول بعضهم » :16 إن جسد بني آدم مشتمل على ما اشتمل عليه العالم بأسره: جعله الحق تعالى نسخة الوجود يحاكي بصورته كل موجود « وذلك من حيث أنه يحتوي على سائر »العناصر « المختلفة والكيفيات المتنوعة في هذا الوجود الحسي من كثافة ولطافة وحرارة وبرودة وماء وطين وحركة وسكون وإقدام وإحجام… بل لقد حاولوا إيجاد توافق بين عدد فقرات عموده ذي الأربعة والعشرين فقرة وعدد ساعات اليوم! وغير ذلك من المقارنات التي تجعل من الإنسان، خصوصا في تركيبه الجسدي، عنصرا منسجما مع هذا العالم وليس أبدا غريبا عنه؛ حتى أن ابن عجيبة ليؤكد في حقه »أن الإنسان اجتمع فيه (أي في جسده) ما افترق في الكون وزاد عليه بسر الروح، وهو العقل الأكبر 17« وهذا ما عبر عنه ابن البنا السرقسطي، الذي شرح ابن عجيبة »مباحثه الأصلية « وذلك حينما قال: إعقل! فأنت »نسخة الوجود« لله ما أعلاك من موجود كما عبر عنه الششتري بقوله: وأنت مرآة للنظر، قطب الزمان وفيك يطوى ما انتشر من الأواني ويشبه ابن عجيبة علاقة الإنسان بالوجود بعلاقة »البعوضة « (صغيرة الحجم) بالفيل (ضخم الجثة) »فكل ما في الفيل في الناموس( البعوضة) وزادت عليه بالجناح. وكذلك كل ما في الوجود في الآدمي، وزاد عليه (الآدمي) بالعقل والمعرفة. وما شرفت الصورة الآدمية إلا بالروح لأﻧﻬا قطعة من الروح الأعظم الذي انفصل عن السر الأكبر وهو بحر الألوهية… 18« . وهذا ما عبر عنه أيضا الششتري بقوله: يا قاصدا عين الخبر غطاه أينك، الخبر منك والخبر، والسر عندك ارجع لذاتك واعتبر، ما ثم غيرك! 19 وقد علق ابن عجيبة على قول ابن البنا السرقسطي: ما الكون إلا رجل كبير وأنت كون مثله صغير، فقال: »قلت: كون الكون رجلا كبيرا والإنسان كونا صغيرا محله ما لم يعد عارفا بالله، وأما إذا كان »عارفا « فهو رجل كبير والكون رجل صغير! [ تتسع دائرة شهوده] فتسرح حينئذ فكرته حتى تستولي على الوجود بأسره 20« . ونظرا لهذه الوضعية الممتازة التي يحتلها الإنسان في الوجود والتي صار ﺑﻬا »نموذجا « للعالم العلوي والعالم الأرضي المادي معا، فقد أصبح بذلك »جامعا بين الأضداد « في ذاته »فهو سماوي أرضي، روحاني جسماني، نوراني (لطيف) ظلماني كثيف 21« مثالي واقعي! ويستنتج ابن عجيبة من هذا أنه إذا كان الإنسان مركبا من روح وجسد فإن الجسد شبح، إذا فني ليس من الضروري أن يفني الروح »فالموت ليس عدما محضا إنما هو انتقال من دار (إلى دار) ومن حال إلى حال 22« .
د- استنتاج عام
والنتيجة من كل ذلك أن الإنسان عبارة عن »تجل « للقدرة الإلهية، بل إنه تجل قوي وممتاز لتلك القدرة، بما يتمتع به من »صفات « أهلته لأن يكون »ممثلا « لله في هذا الكون. ومن ثم كان الإنسان هو لب الكائنات وجوهرها من حيث أنه الوحيد – بعد الله- القادر على » وعي « حقيقته، ووعي وجود العالم بأكمله، هذا الوعي الذي هو مصدر كل معرفة وبالتالي مصدر كل »إثبات « سواء لوجود الإنسان الواعي ذاته، أو لوجود الكون ووجود الله ( بالنسبة للإنسان).
——————————————————————

هوامش
-1 ابن عجيبة: » الفتوحات الإلهية في شرح المباحث الأصلية ،« ج 2، ص: 217 – 216 .
-2 المصدر السابق، ج 2، ص: 268 .
-3 نفس المصدر، ج 2، ص: 217 – 216 .
-4 “شرح المباحث الأصلية «، ج 1، ص: 40 .
-5 نفس المرجع، ج 1، ص: 41 . وانظر أيضا كتابه »في الطلاسم التي احتجبت ﺑﻬا الربوبية «، ص: 238 .
 -6 “المباحث الأصلية «، ج 1، ص: 51 .
-7 المصدر نفسه، ج 1، ص: 54 .
-8 “شرح المباحث الأصلية «، ج 1، ص: 57 .
-9 انظر على سبيل المثال في محاورة »فيدون « لأفلاطون حجة التذكر وأسبقية وجود النفس أو الروح على الجسد.
 -10 “شرح المباحث الأصلية «، ص: 57 . وانظر أيضا »شرح خمرية البوزيدي «، ص: 277 .
-11 “شرح خمرية البوزيدي «، ص: 257 – 256 .
 12- “شرح المباحث الأصلية «، ج 2، ص: 219 .
13 – نفس المرجع، ج 1، ص: 220 .
 14-الغزالي: »شرح: الله نور السموات والأرض « مخطوط، ص: 54 .
  15- “شرح المباحث الأصلية «، ج 2، ص: 215 – 212 .
16 – نفس المرجع، ج 2، ص: 220 .
 – 17 “شرح المباحث الأصلية «، ج 2، ص: 221 .
 – 18 “شرح خمرية البوزيدي «، ص: 231 .
19 – ابن عجيبة: »شرح مقطعات للششتري «، ص: – 210 -211 (مخطوط، مجموع رقم 1974 د).
– 20 المرجع السابق، ص: 212 – 211 . وانظر »شرح المباحث الأصلية «، ج 2، ص: 212 .
 – 21 “شرح المباحث الأصلية «، ج 2، ص: 222 .
– 22 نفس المرجع والصفحة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى