عناية المغاربة بالرواية وطرق التحمل

إن علم الحديث بمعناه الشامل المتمثل في جمع الروايات من طرق متعددة والمقارنة بينها، ونقد الأسانيد والمتون، والبحث في الرجال والعلل، ووجوه التحمل والأداء، والإرسال والاتصال والانقطاع والتدليس، وما إلى ذلك لم تتضح معالمه البارزة في البلدان المغربية إلا على يد محمد بن وضاح (ت 267 ه) وبقي بن مخلد (ت 276 ه). وفي هذا السياق يقول ابن الفرضي: وبمحمد بن وضاح وبقي بن مخلد صارت الأندلس دار حديث 1. وتوالت طبقات الحفاظ الكبار، واستمرت الحركة الحديثية منذ هذا العهد، إلى أن حل القرن الخامس الهجري، فازدهر معه علم الحديث، وبلغ أوجه بقيادة ابن حزم، وابن عبد البر، والحميدي، الجياتي…
وفي القرن السادس نبغ جهابذة تصدروا موكب الحديث وعلومه أمثال: القاضي عياض، وعبد الحق الإشبيلي وغيرهم. وفي القرن السابع الهجري لمع بريق حافظ المغرب ابن القطان الفاسي.
انفراد المغاربة
ولكن الخاصية التي ينفرد ﺑﻬا المغاربة عن المشارقة، هو فرط الاهتمام بطرق التحمل والأداء. وهذا عمل يتوافق تماما مع الواقع العلمي حيث يولي المغاربة اهتماما بالغا برواية كتب الحديث المشرقية، ويتنافسون في نسخها، وإتقاﻧﻬا، وضبطها، ومقابلتها. ومظاهر هذا الاعتناء عند المغاربة تتجلى في المؤلفات التي خصصت لمسائل الرواية والتحمل والأداء؛ وهذا ما يفسر كثرة الفهارس والبرامج والمشيخات والأثبات عند المغاربة 2. ومن أهم المصنفات التي صنفت في طرق التحمل والأداء، كتاب: الوجازة في صحة القول بالإجازة: للوليد بن بكر السرقسطي (ت 392 ه)؛ ألف هذا المصنف في رحلته المشرقية، ولم يصلنا منه إلا بعض النقول في كتب “مصطلح الحديث”، وآخر من تحدث عن أخذها قراءة عن شيوخه محمد بن جابر الوادآشي(ت 749 ه) 3.كما نجد نقولا للقاضي عياض من هذا الكتاب، إذ يقول في كتابه الإلماع: الضربُ الخامس الإجازة وأعلاها الإجازة لكتب معينة، وأحاديث مخصصة… وسماها أبو العباس ابن بكر المالكي في كتابه ” الوجازة” مناولة 4. وقد أكثرت كتب المصطلح من النقل من هذا الكتاب 5.
وبالإضافةإلىكتابالوجازة،هناككتاب”الكلام عن الإجازة والمداولة” لأبي المطرف بن فطيس (ت 402 ه)، ولكن لا توجد إحالة عليه في كتب المتأخرين. ثم كتاب المناولة والإجازة في نقل الحديث، لأبي القاسم بن إبراهيم (ت 446 ه). وكتاب الرسالة المجازة في صحة القول بالإجازة لابن ميمون الغماري 6. ومن أحسن الكتب التي ألفت في هذا الباب، كتاب ” الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع” للقاضي عياض. يقول في مقدمته: ” أيها الراغب في صرف العناية إلى تلخيص فصول في معرفة الضبط، وتقييد السماع والرواية، وتبيين أنواعها عند أهل التحصيل والدراية، وما يصح منها وما يتزيف، وما يتفق فيه من وجوهها ويختلف… وكل فصل من هذه الفصول علم قائم بنفسه… وفي كل منها تصانيف، وتآليف جمة. ولم يعتن أحد بالفصل الذي رغبته كما يجب، ولا وقفت فيه على تصنيف يجد فيه الراغب ما رغب، فأجبتك إلى بيان ما رغبت من فصوله، وجمعت في ذلك نكتا غريبة من مقدمات علم الأثر وأصوله…” 7.
واعتمد نقاد الحديث على ما سطره القاضي عياض 8. والملاحظ أن أغلب مباحث الإلماع ضمها ابن الصلاح في مقدمته، وكذلك فعل كل المؤلفين الذين داروا في فلك المقدمة، مثل العراقي، والسخاوي، والسيوطي. ونختم هذا المقال بشهادة لابن حجر يقول فيها: ” وجمع القاضي عياض كتابا لطيفا سماه الإلماع” 9.
—————————————————-
هوامش
1 – تاريخ علماء الأندلس: الدار المصرية للتأليف والترجمة، طبعة 1966 م، 16 / 2.
2 – أنظر فهارس علماء المغرب للترغي.
3 – برنامج الوادآشي: تحقيق محمد محفوظ، دار الغرب الإسلامي، ط 1، 1400 ه.
– جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس وأسماء رواة الحديث وأهل الفقه والنباهة لأبي عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، القاهرة 1952 م، ص: 339 .
– بغية الملتمس في تاريخ رجال الأندلس لأبي جعفر أحمد بن عميرة الضبي، طبعة دار إحياء التراث 1967 م، ص: 466 .
4 – الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع، للقاضي عياض، تحقيق أحمد صقر، دار الثقافة، القاهرة، ط 2، دون تاريخ. وانظر الإحالة على كتاب الوجازة في ص: 89 – 90 – 93 – 94 – 100 113 من الإلماع.
5 – التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للعراقي، تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان، دار الفكر، 1401 ه، صص: 160 – 164 – 166 .
– فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1403 ه، 2/ 318 .
– تدريب الراوي في شرح تقريب النووي لجلال الدين السيوطي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر، دون تاريخ، – 50 / 2 – 55 56 .
– الصلة لابن بشكوال، الدار المصرية، القاهرة، / 1966 ، ص: 682 .
6 – أنظر الرسالة المغربية، عدد 11 ، 1406 ه.
7 – الإلماع، ص: 53 .
8 – التقييد والإيضاح، صص: – 151 – 158 – 180 – 192-232- 250- 355 . فتح المغيث للسخاوي، ج 2، صص: 11 -59- 54- 53- 41- 40- 33- 32- 31- 30- 20- 13-65- 66- 67 . تدريب الراوي، ج 2، صص: – 7 – 9 – 17 – 25-72- 67- 62- 56- 55- 50- 41- 38- 36- 31- 28-.76 75- 74-
9 – نزهة النظر شرح نخبة الفكر، ص: 5.
