سؤال النهوض والتجديد في حوار مع المفكر الجزائري عمار الطالبي

يرى المفكرُ الجزائريُّ الدكتور عمار الطالبي أنه لابد من البحث لأنفسنا عن طريقٍ جديدٍ خاصٍ بنا نستطيع أن نكون (أنفسنا) لا أن نكون (غيرنا).. مُرَكِّزاً على أهمية الفكر والقيم في التأسيس لهذا الطريق، ومعتبراً أن ضعْفَنَا جاء من ضعف أفكارنا، ومشيراً إلى أنه من الخطأ أن نعطي الأولويَّةَ للجانب السياسي. من جانب آخر، دعا الطالبي إلى بناء نظرةٍ جديدةٍ للقرآن؛ لأن القرآن، في رأيه، لم يُفَسَّر إلى اليوم. وهذا نص الحوار.
هناك من المفكرين العرب من يفهم فكرة/مشروع التقدم على أساس أنه اللحاق بالغرب وحتى بعض المفكرين المسلمين/الإسلاميين لم يسلموا من هذا الفهم. بل إن سؤال “شكيب أرسلان” النهضوي: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ يستبطن فكرة مفادها أن ما وصل إليه الغرب هو التقدم (بألف ولام التعريف)، وبالتالي ما علينا إلا اللحاق به. ما تعليقكم؟
إذا كان الهدف هو اللحاق بالغرب، فإننا لن نلحق بهم؛ لأنه تفصل بيننا وبينهم مسافات كبيرة في الزمان! لا بد أن نبحث لأنفسنا عن طريق جديد خاص بنا نستطيع أن نكون (أنفسنا) لا أن نكون غيرنا. كما فعلت ـ وتفعل ـ الصين التي شقت لنفسها طريقا جديدا؛ ليس بالاشتراكي ولا بالرأسمالي، واستعملت الطاقات الاجتماعية التي بحوزتها وأطلقتها. أما نحن فطاقاتنا الاجتماعية نائمة لا تتحرك! سواء كانت عقلية أو عضلية.. لم تمض في الطريق الذي يؤهلها كي تدخل التاريخ وأن تشارك في الحضارة العالمية. فلا بد من حركة جديدة، وتجديد في حياة المسلمين الفكرية والاجتماعية.. لكي ينطلقوا على أسس جديدة، وبطريق خاص بهم؛ فليس من الضروري أن نتبع الغربيين ولا الشرقيين.
تعددت النظريات الإسلامية الخاصة بالتغيير والنهوض. فهناك من يركز في نظريته على المدخل السياسي، وآخر على المدخل الثقافي، وثالث على المدخل التربوي… وهكذا. إلى أي نظرية/مدخل تنتمون؟
المفكرون المسلمون في عصر النهضة ركزوا على الجانب الاجتماعي والسياسي والتحرري فقط، ولم يركزوا على الجانب الفكري والجانب الأخلاقي. أعتقد أن القيم والأفكار هي الزاد الأولي؛ ثم إذا تمكنت هذه الأفكار وهذه القيم من الإنسان دفعته ليصنع لنفسه السياسة والاقتصاد والجوانب الأخرى. لكن البداية تكون ب( الفكرة)؛ وإن كنا عندما نبدأ العمل لا نفرق بين الفكرة واليد، لكن اليد تعمل عندما تكون هناك فكرة تنفذها. وضعفنا جاء من ضعف أفكارنا؛ إذ ليس لنا منهج صحيح في النهضة. فعملية تكون الحضارات تبدأ بفكرة دينية أو دنيوية؛ ويكون الإنسان مؤمنا بها، وتصبح كأنها دين وعقيدة. هذه الفكرة الدينية أو الدنيوية عبارة عن توتر نفسي داخلي يدفع الإنسان لأن يتحرك في التاريخ. ويصنع بفكرته البسيطة هذه أدوات الحضارة الأخرى؛ سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو علمية.
كيف تنظرون إلى الأفكار التي تدعو إلى ضرورة وأولوية إقامة ( دولة إسلامية)، ثم الأمور الأخرى تأتي فيما بعد؟!
أعتقد أن الدولة لا تستطيع أن تقوم إلا إذا تكونت الأمة. والمسلمون اليوم منقسمون إلى دويلات، وتأثروا بأوروبا في مسألة الدولة القومية.. لا بد أن نكون أمة؛ لأن في عصرنا لا يمكن لدولة صغيرة أن تؤسس لوحدها حضارة! لا بد من تكتل بشري قوي وإمكانات مادية قوية للولوج في الحضارة من جديد. ولذلك نحن نقول “الأمة الإسلامية” وليس الشعب الجزائري أو الشعب المغربي أو الشعب الموريتاني… يجب أن ننظر إلى الأمة باعتبار مقوماتها الرئيسة التي تمنحها ميزات حضارية تراثية تؤهلها بعد ذلك أن تضيف إليه وأن تبني عليه، وأن تسير في إطار جديد وحياة جديدة. وأظن أن الفكر الذي يتحول إلى إيمان ومقوم أساسي يدفع الإنسان كي يغير نفسه وما حوله؛ فالأفكار إما أفكار تغير الإنسان، وإما أفكار تغير الأشياء؛ الأفكار التقنية تغير الأشياء. أما الأفكار والقيم الدينية فتغير البشر. والعلم يغير الأشياء ولا يكون حضارة. والإنسان هو من له الأولوية في التغيير. غير الإنسان يغير المؤسسات وما حوله.
هناك من المراقبين للخطاب الإسلامي المعاصر من يرى أن هناك تضخما وغلبة لكل ما هو “سياسي” وضعفا وفقرا على المستوى “الثقافي” و” المعرفي”. ما رأيكم؟
من الخطأ أن نعطي الأولوية للجانب السياسي. صحيح أن السياسة عامل مهم للتغيير، ومن امتلك القيادة السياسية يستطيع أن يغير وينفذ، وتكون له وسائل قوية. لكن السعي لاكتساب الجانب السياسي، واعتباره الهدف الرئيس فهذا خطأ! وهناك حركات تتسرع في هذا الجانب، والسرعة تؤدي إلى البوار والفشل. المطلوب تهيئ الإنسان قبل تهيئ البناء العلوي. لابد أن نعترف بأن هناك أخطاء في المنهجية، وخاصة خطأ التسرع، وهناك آفات في السلوك، وخاصة آفة الغرور؛ فعندما تلتف من حول بعض الإسلاميين جماهير كثيرة يصابون بالغرور! هذه الجماهير إن لم تكن واعية وعيا حقيقيا، وإذا لم تتوفر على مؤسسات، ولم تكون بعد “إطارات” فإنك ستفشل حتما!! لابد من نفس طويل ومنهجية دقيقة.
ينبغي إعادة النظر في أسلوب ومنهجية الحركات الإسلامية، ولا يكفي أن نجمع الطاقة الشعبية فقط. ثم لابد من قيادة فنية تستطيع أن تسير هذه الطاقة؛ فالجانب الاجتماعي عاطفي، وعبارة عن طاقة اجتماعية ونفسية وعاطفية. ومن هنا ضرورة أن يسيره جانب آخر فني؛ أي قيادة ذات معرفة واستراتيجية؛ قيادة فنية وعقلية تخطط كي تسير هذه الطاقة. الحركة الإسلامية، للأسف، تهيج الجماهير ولا تستطيع ضبطها، وبالتالي فإنها تنفلت منها، وفي الأخير تتخلى عنها!!
كيف تنظرون إلى النداءات التي تطالب بإحداث تجديد في العلوم الإسلامية الشرعية حتى تكون في مستوى متطلبات الحياة المعاصرة واستحقاقاتها المختلفة؟!
آن الأوان كي نجدد علم الأصول؛ لأنه منهج منطقي لاستنباط الأحكام من النصوص، وأن نستفيد من العلوم اللسانية التي ازدهرت في عصرنا الحالي. وأن ننظر في دلالات الألفاظ والتركيب سواء كانت دلالات إفرادية أو تركيبية، ولا بد أن نعالجها بطريقة جديدة. عندنا الآن وسائل جديدة كالكمبيوتر؛ ففي لحظة تستطيع أن تعرف الآيات التي تدور حول موضوع واحد. وأن ننظر إلى القرآن باعتباره كتابا كليا، ولا نأخذ آية واحدة ونجعلها هي المركز، بل لا بد أن ننظر إلى مثيلاتها وما يعممها وما يخصصها، بحيث ندرس القرآن دراسة موضوعية؛ نأخذ مثلا الإنسان في القرآن، فنجمع كل الآيات المتصلة بالإنسان ونبني نظرة متكاملة، ولا نأخذ المفردة مقطوعة عن السياق كما لا نأخذ الآية، أيضا، مقطوعة عن سياقها، كما لا نأخذ السورة مقطوعة عن سياق القرآن الكلي. ولهذا لابد أن ننظر نظرة جديدة للقرآن؛ لأن القرآن لم يفسر إلى اليوم، ومن ظن أنه فسر فقد عبر عن نفسه فقط. ولهذا ورد أن القرآن لا تنقضي عجائبه؛ أي معانيه ودلالاته في كل عصر. فالعلوم الشرعية إلى حد الآن لم يطلها التجديد. خذ الفقه المالكي مثلا، فمنذ القرن الرابع الهجري ندرس الرسالة لأبي زيد القيرواني، في الفقه، كما هي ولم نضف إليها فصلا واحدا؛ سواء تعلق الأمر بالتأميم، أوالبنوك، أو وزراعة الأعضاء!!
القدامى اجتهدوا البحث في النصوص الشرعية، وفصلوا فيها القول، وقالوا هذا النص ظاهر وهذا مجمل وهذا مؤول وهذا عام وهذا خاص وهذا مقيد… لكن هذه الأبحاث الآن أصبحت غير مفيدة كثيرا، ويجب أن ننظر نظرة جديدة في الدلالات. وهل الدلالات تتغير من عصر إلى عصر الألفاظ، أم نبقى على دلالة اللفظ كما هو في عهد النبوة؟! وهناك حاجة إلى تفاسير جديدة على ضوء ما استجد من النظريات العلمية، نحن مضطرون لفهم القرآن بفهم العلم في عصرنا. ولهذا أنت إذا أردت أن تعرف تاريخ الفكر الإسلامي اعرف تطور التفاسير.
