المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي: الحوار بين الأديان متوازي وأحيانا حوار صم

ما هو المفهوم الأنسب استعماله بخصوص إحياء الفكر الديني، هل التجديد أم التحديث؟ وما هي مشروعية الحداثة واللائكية؟ وما الفرق بين الدين والتدين؟ ولماذا يغيب اليهود عن الحوار بين الأديان؟ وما هي معيقات الحوار بين الأديان؟ هذه الأسئلة وغيرها يجيب عليها المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي أحد مؤسسي فريق البحث الإسلامي المسيحي.
انطلاقا من تجربتكم في الحوار بين الأديان، ما هي أهم المعيقات التي وقفتم عليها؟
في الحقيقة لم أشارك إلا في عدد محدود من الملتقيات المهتمة بالحوار الإسلامي المسيحي، وكان ذلك في السبعينات من القرن الماضي، واستخلصت من مشاركتي أنها لا تكفي لبلوغ الأهداف المرجوة منها، بطبيعة الحال أعتقد أن الحوار دائما أفضل من الاصطدام، ومن تبادل الشتائم ومن استنقاص الآخر ومن كل الممارسات التي نلاحظها سواء في الشرق أو في الغرب، التي تسيء إلى الأديان الأخرى، ومن هذه الناحية الحوار دائما إيجابي، ولكن من وجهة نظري كان دائما حوار بين أناس يتكلمون باسم الإسلام وأناس يتكلمون باسم المسيحيين، ولكن يتكلون بوجهة نظر دغمائية وثوقية، ولذلك كان أشبه بحوار متوازي، والمتوازيان لا يلتقيان، وفي بعض الأحيان يكون حوار صم.
ولهذا كان لابد من تجاوز هذا الشكل إلى شكل آخر، وهذا ما دعاني مع بعض الأصدقاء من المسلمين والمسيحيين إلى تأسيس فريق البحث الإسلامي المسيحي، وهذا الفريق ليس فريق حوار،هو فريق بحث كما يدل عليه اسمه، ويتكون بصفة متوازية من مسلمين ومسيحيين لا يتكلمون إلا بصفتهم الشخصية، ويقوم الفريق أيضا على أساس انجاز بحوث تخص مشاكل تعترض الديانتين في الآن نفسه، ففي كثير من الأحيان نلاحظ أن بعض الأمور التي من المفروض أنها مشتركة بين الديانتين، وكل أمر منها له مدلول خاص في الديانة الأخرى، ولهذا لا بد من توضيح نقط الالتقاء ونقاط الاختلاف، ولكن لا توضيح بالانطلاق من المواقف الباتة التي كرسها الاستعمار في المجامع الكنسية، وفي الإجماع لدى علماء المسلمين، بل توضيح هذه المفاهيم بالاعتماد على مقاربات حديثة، أساسها العلوم الإنسانية والاجتماعية كما هي معروفة عند الأكاديميين، بصرف النظر عن مذاهبهم واعتقاداتهم ومذهبياتهم السياسية والإيديولوجية.
البعض يقول بأن عدم التكافؤ بين الإسلام والمسحية على مستوى المرجعية، من معيقات الحوار، إذ المسيحيون، وخاصة الكاثوليك، لهم مرجعية البابا، فيما المسلمون ليست لهم مرجعية؟
هذا معيق عندما يكون الأشخاص يعتبرون أنفسهم ممثلين لأديانهم، فعندما تسمع الشيخ القرضاوي في قناة الجزيرة يقول: أنا باسم الإسلام أقول كذا وكذا، فإذاك يمكن أن ينطلق أي شخص ويقول له: من فَوَّضَكَ للحديث باسم الإسلام؟ في المسيحية الكاثوليكية هذا غير موجود، فهي تضمن أن التقليد المسيحي يضمنه البابا والكنيسة بصفة عامة. أما إذا ما كان المشاركون غير مؤهلين للحديث باسم الدين آنذاك يستوي المسلمون والمسيحيون، أضف إلى ذلك أن المقاربات الحديثة من شأنها أن تعيد النظر حتى في الأمور التي هي مسلم بها حتى في نطاق المسيحية ذاتها، ما أتت به من جديد أنها سلطت الأضواء وكشفت أمورا كانت مغيبة في ضمير المؤمن، ولذلك فالمسلم من هذه الناحية هو في وضع أفضل من المسيحي، باعتبار أن القرآن يُحَمِّل الفرد المؤمن، الذي هو حر ومسؤول، مسؤولية شخصية عن هذا الإيمان، ولذلك ليس مضطرا لينظر عن يمينه وعن شماله ليرى هل المسؤولون الكنسيون موافقون أو غير موافقين.
المرجعية التي ربما كان المسيحيون في وضع أفضل بالنسبة إلينا، هي استنادهم إلى التجربة في تناول العلوم الإنسانية والاجتماعية، إذ ممارستها في الغرب ليست متوفرة بنفس الدرجة في العالم الإسلامي، حيث معرفتنا المباشرة بهذه العلوم وبالخصوص إسهامنا فيها ضئيل. ومن هذه الناحية، لا ينبغي أن تكون لنا مركبات، لأن هذه العلوم متاحة لمن يطلبها، وأنا لا أعتقد أن المسيحي الغربي في وضع أفضل من المسلم، لأن هذا المعرفة أصبحت الآن معرفة كونية، وليست مقتصرة على أتباع أي ديانة بما فيهم البوذيون.
يسجل غياب اليهود عن الحوار، من وجهة نظركم، ما أسباب ذلك؟
الواقع أن فكرة إنشاء الفريق في بدايتها، كانت لإشراك اليهود وغير المؤمنين في البحث في هذه القضايا التي تهم الإنسان المعاصر بصفة عامة، لكن تبين بعد النقاش وتبادل الرأي، أن هناك مشكل كبير جدا عند أغلب اليهود، وهو التصهين، أي الربط بين الدين والقومية اليهودية، التي نشأت منذ قرن ونيف فقط، هذا الربط مَثَّل عائقا معرفيا قبل أن يكون عائقا سياسيا، وهذا ما حال دون التقدم في بسط الأمور على محك البحث والمعرفة، وتبين أن الذين شاركوا ويشاركون من الجانب المسيحي، في الحوار اليهودي المسيحي كانوا في أغلب الأحيان متصهينين أكثر من الصهاينة، وكان هناك مسيحيون لا يتفقون معهم تماما في هذا، وهذه الظاهرة مازلت موجودة اليوم.
فالتعميم في هذا المستوى يؤدي بنا إلى عدم فهم ما يحتوي عليه الفكر اليهودي والمسيحي من تيارات متناقضة ومختلفة، فهؤلاء الذين يحكمون الولايات المتحدة الأمريكية ينتمون إلى أقصى اليمين من الكنيسة البروتستانتية، وهم الذين يسمون: الإنجيليون، وهؤلاء، انطلاقا من قراءة حرفية لنصوص التوراة، يعتقدون أنه لا بد من تأييد إسرائيل، لأن هذه الدولة إذا ما تجمع فيها كل يهود العالم فمن شأن ذلك أن يعجل بعودة المسيح إلى الأرض، وبطبيعة الحال أغلب المسيحيين لا يوافقونهم في هذا الاتجاه، والإمكانيات الضخمة، مالية وسياسية ودعائية، التي يمتلكونها تجعلهم يبدون وكأنهم ممثلون للمسيحيين جميعا، والحقيقة أن الأمر ليس كذلك.
هذا يدعونا إلى الحديث عن الفرق بين الدين والتدين…
الفرق كبير جدا، فالدين، أي دين، لا بد أن نميز فيه بين ثلاث مستويات على الأقل: هناك مستوى النصوص التأسيسية، وهذه لا سبيل إلى أن نمسها بحال، لأنها موجودة، وهي التي تعبر عما يجمع كل المؤمنين بهذا الدين عبر الزمان والمكان، والمستوى الثاني هو مستوى الإيمان الشخصي بما في ذلك النصوص التأسيسية، وهذا لا يدخل تحت الحصر، وتحت التقليب العلمي الموضوعي، لأنه يختلف بحسب نفسية الإنسان وسنه ووضعه الاجتماعي وبحسب عدة عوامل، وهذا كذلك نطرحه جانبا، ليبقى المستوى الثالث الذي هو مستوى التطبيق التاريخي للمبادئ الواردة في النصوص التأسيسية، هذا عمل بشري، وإنتاج تاريخي نسبي أضفى عليه الزمن نوعا من القداسة، ووظيفتنا نحن ألا نقبل كل ما جاء في هذا التطبيق النسبي البشري، من أمور ربما لم تعد ملائمة لعصرنا نحن، فتديننا إذن هو فهمنا وتطبيقنا لما هو في المستوى الأول من الدين، وهذا يصح على الفكر الإسلامي والدين الإسلامي والتدين الإسلامي، مثلما يصح على الدين المسيحي والتدين المسيحي، وكذلك اليهودي وغيره.
وهذا مثلا أنموذج جيد لتطبيق نتائج العلوم الإنسانية الحديثة، لأن القدماء لم يكونوا عادة يميزون بين هذه المستويات، فعندما نقول أن الإسلام يقتضي كذا أو كذا، عن أي مستوى نتحدث؟ هل على مستوى النصوص أم على مستوى الإيمان الشخصي أم على مستوى التطبيق التاريخي؟ فإذا كان الأمر يتعلق بمستوى النصوص، فهذا كذلك يثير مشاكل معرفية إبستمولوجية عويصة، هل نحن متفقون على فهم هذه النصوص وتأويلها؟
اللسانيات الحديثة تفرض علينا الإقرار أنه لا يوجد نص قطعي الدلالة البتة، أي أن كل النصوص هي قابلة للتأويل والقراءات المختلفة، بحسب الموروث الثقافي، وبحسب التركيب اللغوي والنحوي والصرفي للكلام، وبحسب الآفاق المعرفية في كل عصر، وبالنسبة إلى كل قارئ، وكذلك بحسب القيم المجتمعية.
لكن المشهور هو أن النصوص الدينية كما يقره الأصوليون في علم الدلالة فيها ما هو قطعي وفيها ما هو ظني الدلالة؟
دعني أضرب لك مثلا، العلماء المسلمون في تاريخهم الطويل كانوا يقرأون الآيتين المتعلقتين بالشورى، ولم يخطر ببال عالم واحد منهم الإقرار بأن الشورى أمر ضروري وإلزامي للحاكم وهو يمارس الحكم، فهموا أن الشورى تكون عند شغور منصب الخليفة، فإذاك يستشير أهل الحل والعقد لتنصيب خليفة مكان خليفة شغر منصبه، وأكثر من ذلك قبلوا ولاية العهد، وقبلوا إمارة الاستيلاء، وغير ذلك، وإذا بنا نجد في الفكر الإسلامي المعاصر الحديث عن الشورى باعتبارها مرادفة للديمقراطية أو أفضل منها، ماذا يعني ذلك؟
يعني أن قيمة الديمقراطية هي قيمة حديثة فرضت نفسها على المسلمين اليوم وهم يعكسون تطلعاتهم وقيمهم التي هي قيم المجتمع المعاصر على النص، فالنص هو صريح بالنسبة للقارئ في القرن الحادي والعشرين، لكن النص نفسه لم يكن البتة صريحا للقراء في الماضي.
هل هذا يخص النص القرآني أم يشمل أيضا نصوص الدين المسيحي؟
الأمر نفسه بالنسبة للمسيحيين، لو أخذنا تلك القولة الشهيرة “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، المستعملة في الأدبيات المسيحية المعاصرة، والتي على أساسها يقول الممجدون للفكر المسيحي في مقابل الأديان الأخرى: هاهي المسيحية تؤكد على التمييز بين الدين والدولة، فهذا غير صحيح، لأن القولة نفسها لم تكن تستعمل البتة في تاريخ المسيحية الطويل بهذا المعنى، فالمسيحيون طوال تاريخهم قد كانوا يعتبرون أن السلطة السياسية ينبغي أن تستمد مشروعيتها من الله.
ففي سنة 1925 نشر علي عبد الرازق كتابه “الإسلام وأصول الحكم” وفيه يدعو إلى الفصل بن الدين والدولة، في السنة نفسها، مجلس الأساقفة الفرنسيين ـ يعني رجال الكنيسة الفرنسية ـ أصدروا بيانا يقول أن الحكم المشروع ينبغي أن يستمد شرعيته من الله وحده، وهذا يعني أن تدين علي عبد الرازق لم يكن في مستوى تطلعات المصريين في عصره، فقد كان متقدما عليه، وأن موقف الأساقفة الفرنسيين كان متخلفا عن تدين المسيحيين في فرنسا على ذلك العهد.
مشروعية الحداثة واللائكية
بالنسبة لتحديث الفكر الإسلامي، من أين يكتسب مشروعيته؟
إذا ما كان الفكر الإسلامي هو الفكر الموروث من عصور الانحطاط، فالمتوقع تقليده أن يؤدي إلى ما هو مشاهد اليوم، إلى الازدواجية المعيقة للتفكير السليم، ازدواجية بين الدين من ناحية، والحياة من ناحية ثانية، أي بين ما يقتضيه الدين وما تقتضيه الحياة، فهذه الازدواجية تؤدي إلى انفصام الشخصية، وهذا ما يولد أنواعا من السلوكات المَرَضية، ويؤدي أحيانا إلى التطرف، لأن الإنسان يحتمي بما يسمى بالثوابت، إذ يخاف من كل ما هو متغير، مما يجعله يأخذ الأمور على ظواهرها من دون أن تكون له العدة المعرفية لإعادة النظر في هذه الثوابت وفي هذا الموروث، وذلك يؤدي إلى أشكال التطرف التي نعرفها ولا داعي للحديث عليها.
مشروعية التحديث تستمد وجاهتها من ضرورة تجاوز هذا الانفصام، وكذلك تجاوز الوضع غير المريح الذي يعيش فيه المسلم وهو ممزق بين خطاب يقول له افعل كذا ولا تفعل كذا، ولا يترك له أي حرية، وبين الحداثة التي تقول له أنت مسؤول، أنت حر، وينبغي لك أن تبحث بنفسك ولا تعول على أحد لكي تصل إلى اليقين، ولكي تصل إلى ما يرضي ضميرك، وأعتقد أن مقتضى الحداثة هو الوفي أكثر بآلاف المرات لمضمون الرسالة المحمدية من الموقف القديم الذي هو موقف التقليد والذي له أسبابه، إذ انتشاره ليس عفويا، فهو منتشر لأن الكثير من الأنظمة الاستبدادية تجد مصلحة في بقائه.
الملاحظ أن مظاهر التحديث تظهر في المجتمعات العربية، سواء على المستوى التقني أو الاقتصادي، لكنها بطيئة في المجال الديني، ما تفسيركم لذلك؟
نحن نعيش في مرحلة تاريخية ينبغي أن نفهم الأسباب التي تؤدي فيها إلى رفض ما هو في الأصل غربي وأصبح كونيا، ونحن ما زلنا نفكر بأنه غربي وكفى، بينما هو مقبول الآن عند الصينيين وعند اليهود وعند كل الثقافات، فهناك حاجز نفسي، وهناك أسباب تاريخية، وإذا ما كان الأمر على هذا النحو فلا ينبغي أن نحمل الفكر الإسلامي المسؤولية في هذا الرفض للحداثة بالمعنى الذي تحدثت عنه، المسؤولية الكبيرة هي راجعة إلى تأخر المجتمعات العربية التي ليست مجتمعات قد وصلت إلى تعصير وسائل الإنتاج، لأنه هو الكفيل بتغيير العقليات لا الخطابات، وهذا التعصير يسير بخطى متفاوتة من بلد إلى آخر، لكن المصيبة في أن العديد من البلدان التي تمتلك ثروة نفطية تغطي بها على مشاكل التخلف وتبدو وأنها حديثة في الظاهر، وإنما هي في واقع الأمر مجتمعات متخلفة، اجتماعيا وثقافيا وعلميا وفي جميع النواحي رغم غناها. والأدهى أن منها من تسعى إلى فرض أجندة خاصة بها على الشعوب والدول الأخرى، فإذا بنا أمام نماذج متخلفة كان من المفروض أن تقود باقي الأنظمة إلى التحديث فإذا بها تشدها إلى الوراء.
في إطار التحديث، أصبح النداء باللائكية…
(مقاطعا) اللائكية سالت فيها أودية من الحبر، وهي تعني التمييز بين السلط، بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وأنا أستعمل عمدا مفهوم التمييز لا الفصل، لأن اللائكية إذا لم تكن أيديولوجية، فإنها ممارسة طبيعية في الأنظمة الحديثة، فالمسيحي الذي يعيش في بريطانيا أو في ألمانيا يمارس تدينه في الكنيسة في بيته في الحياة العامة، وإذا ما كان يؤمن ببعض القيم فهو يسعى إلى تجسيدها، لكن من خلال القنوات الدستورية والقنوات المؤسسية، التي تقوم عليها الدولة الحديثة، ولا يأتي في البرلمان ويقول أنا أعارض هذا القانون لأنه مخالف للمسيحية، أو أن المسيحية تقتضي هذا، فهو يؤمن مثلا أن ظاهرة من الظواهر الأخلاقية أو الاقتصادية مثلا، تتنافى والمبادئ المسيحية، فهو يعارضها من خلال اقتناعه هو بهذه المبادئ، لكن يعارضها بصفة دستورية وبصفة مقننة، هناك إذن تمييز بين المستويات، المستوى السياسي والمستوى الديني.
وهذا لا يعني أننا نطلب من المسلم أو المسيحي أن يتجرد من عقيدته إذا ما دخل البرلمان، أو إذا ما شارك في حزب سياسي، نحن ينبغي لنا أن نعترف بضرورة التمييز بين المستوى الديني والمستوى السياسي، ونترك الأمور السياسية تعمل بحسب المؤسسات الدستورية، والتدين له مجالاته من دون أن ينفصل عن الحياة العامة، المهم ألا نقول نحن دولة إسلامية ولذلك ينبغي أن نفرض على المرأة قبول التزوج بأربع نساء، لأن المشرع لا يشرع اليوم على أساس ديني وإنما يشرع على أساس المصلحة العامة، هذا بصرف النظر على أن الذين يقولون بتعدد الزوجات هم يؤولون النص الديني، وبذلك نعود إلى القضية نفسها.
خليل بن الشهبة
