Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
رأي

بقبض العلماء يقبض العلم وتنطفئ شمعة من شموع الأمة

محمد عماد الأكرمين – ستراسبورغ: فرنسا

رحم الله شيخنا فريد وأسكنه فسيح جناته…  في أحلك لحظات الأمة الإسلامية من تاريخها المعاصر، و هي تبحث لنفسها عن مدارج فك الإسار، و مدافعة شرورها الداخلية و الخارجية، في أعوص فترات استجداء الأمة الإسلامية ببصيص أنوار المعرفة و اليقين لتبديد ما تَلَبَّد من رُكامات جبال الجهل و التخلف التي يئط منها هيكلها الوارف المتهالك، في أحرج محطات تاريخ الأمة الإسلامية المظلمة القاتمة…

تنطفئ شعلة من شُعلاتها النورانية التي كانت مِتْراساً لها في ساحة القلم و المعرفة ساحةِ الشرف الإنساني… شُعلة كانت تذود عن الأمة، وتصون شرفها من مَهايِع الجهل، وسُهُوكة الفتن، وفُرْقَة الجماعات و الأحزاب…
 
ها هي قد انطفأت شمعة نورانية من شموع الفكر الإسلامي الأصيل التي تَحَرَّت أغوار الفقه الإسلامي بأصوله وفروعه، وسَبَرت حقيقة واقع الأمة، فعرفت لِداءِ الأمة الإسلامية طريقَه، وصارت تضع له البلسم الشافي بِأناةٍ وخطوات ثابتة على نهج النبوة، وسلف الأمة الصالح في معالجة قضايا الإنسان المصيرية .

هاهي ذي شمعة الشيخ الجليل الكريم المرحوم فريد الأنصاري الرجلِ الرباني رَجلِ القرآن تنطفئ في عِز قساوة الظلمة، و في عِز حاجة الأمة إليه. الشيخ العظيم الذي باع نفسه وحياته على عَتَبة الإزدحام الدنيوي لله عز وجل إخلاصاً منه لهذا الدين، و وفاءً لروح الخطاب الرباني، فجعل من كل فكرة ومن كل قطرةِ مدادِ قلمِه وسيلةً للتعبد، و التقرب إلى الله تعالى مُصححاً للأفكار، وموجهاً للأبصار، ومنورًا للبصائر، متعالياً بأفكاره، و بما فتح الله عليه من أنوار العلم الشرعي و الأدبي عن كل العناوين و اللافتات…، جاعلا مشروعه العلمي (الفقهي و الأصولي و الأدبي) في خدمة الأمة أغنياءَ و فقراءَ، فُرادَى و زُرافات، أُميين وعلماءَ…لا في خدمة حزبٍ مُسلَّع أو جماعة متهافتةٍ أو فِئة مسترزقة …حتى ذاع صيته الآفاق و استنارتْ بخط مداده بصائرُ أبناء الأمة مشرقاً ومغرباً.

في انطفاء شُعلة “فريد الأنصاري” ينطفئ سراج أمة، و يخفت ضوء عَلَمٍ على رأسه نارُ المعرفة الأصيلة أصالة البشرية متوقدةً بالأفكار مِدرارةً . وكان كله يقينا أنه لابد مُودِّع  يوماً على مُفترق الطُّرق في فوضى الإنعطاف التاريخي .

من تركيا الطيبةِ ثَرىً، والكريمةِ شعْباً حيث وجد الشيخ من آزره وعزَّره وناصره ساعة وطأةِ المرض….، من هناك ، كان الشيخ ينتشي بِخَطِّ العودة إلى الوطن الحبيب المغرب مُظفرا بجسدٍ معافى، وفكرةٍ صحيحة، ونهجٍ قرآني سليم من أَزلامِ ما سقطت فيه الأقلام المسترزقة …، فصَحَّت الفكرةُ ، وسَلِم المنهجُ ، واعتلَّ الجسد . وكانت تلك نشوة الشيخ ، يُضئ بنور أفكاره سراديبَ العقولِ بتصحيح نَهجٍ أو تبصرةِ وعيٍ أو تسديدِ اعتقادٍ أو استنهاضِ هِمةٍ خائرةٍ ، أو زرعِ أملٍ في وِجدانٍ متهالكٍ . فكانت الفكرة لديه أقدس من الجسد… فصوَّبَ ما تبقى من عُرجونِه القديم وَقوداً يُمدُّ العقلَ بطاقة السُّطوعِ ، وعوضَتْه الذاكرةُ الشابةُ الفتيةُ المتوقِّدةُ عن شيخوخةِ العمر، وهرَمِ الفؤاد .

ولم يقف القلم من المسيل أفكاراً و اعتِباراً حتى آخر عَطْفةِ رُوحه الطاهرة . و أنَّى لقلمٍ جمعَ الفَهمَ الشرعي و أُصولَ الفقهِ وعلوم الآلة إلى جانب الذاكرةِ الوقادة ، والرؤية المتبصرة بروح الإسلام ، ونور الإله… أنَّى له أن يصحو من غَمراتِ المعرفةِ أو أن يتعلَّل بمرض تسلطت أعراضهُ على الجسد ؟ !!!، حتى صار الشيخ إلى ظاهرةٍ في أُمَّة تُذكِّر بأرواح رِجالاتها الأفذاذ الذين توارتْ أجسامهم عن الأبصار، ولم تغبْ أسماؤهم عن الألسنة، و لا أفكارُهم عن البصائر.

لقد حفر الشيخ المرحوم اسمَه الطاهرَ على جِذع زيتونةِ الأمة الإسلامية، زيتونةِ الهويةِ الشاهقة المذكِّرةِ بشموليةِ الواجبِ الديني، و كيفية النهوض به في وعكة الإنحدار.

اللهم إن كنت اخترتَه لجوارِك محبةً له، وتخليصاً لروحه الطاهرة من متاعب الدنيا، على ما تعلَمْ منه من مَحبته لكَ وفيك، فاللهم أبدله داراً خيراًمن داره، وأهلاً خيراً من أهله، وأجزه عما قدَّم من خير ومعروف للأمة خير الجزاء، وارحمه اللهم رحمة الأخيار، وأسكنه جنَّة الأبرار،  ولا تحرِمنا من الإجتماع إليه تحت لواء نبيك الكريم في عرصات آخر الدار، وارزق اللهم أبناءه وزوجه والأمة الإسلامية جميعا الصبر والسلوان  آمين .

 

 

 

بتاريخ 19 ذو القعدة 1430 هـ الموافق لـ: 7 نوفمبر 2009م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى