أصناف التدين

تمثل اليقظة الدينية التي يشهدها العالم العربي والإسلامي بداية الصحوة البناءة والراشدة، لما لها من دعائم وصروح مادية (الإعلام، العلماء …)، لكنها تبقى مجردة عن المنهج الموحد في إقرار خطها التوافقي بين الداعين لها أو الممارسين لأفكارها.
لقد أصبحت مظاهر التدين في هذا العصر تعاني من الغلو في الاختلاف السلوكي الناتج عن خلو الضابط الفكري، وهو ما نراه من انعكاسات في الممارسات الدينية عند البعض. فالسلفي والصوفي والحركي وأهل الجماعات الدعوية … كلها تصنيفات تتوحد في مرجعيتها لكن تختلف في قناعاتها، مما أفضى إلى خلق المتناقضين (الحب..الكره ـ الظاهر..الباطن ـ الشكل .. الروح ـ التعايش ..التنافر…..). هذه المصطلحات تتوفر على دلالات تتوافق مع ممارسة دينية معينة تبدو ظاهرة للعيان في عصر كثر فيه الرجوع للدين. لذا وبالوقوف على تشخيص مظاهر التدين يمكن استخلاص ثلاثة أصناف من حيث ممارسته.
أ ـ تدين سليم: ومبناه قائم على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من خلال قراءة وتتبع منهج السلف الصالح وبمدارسة وتوجيه العلماء العاملين، الذين استقوا ضوابط التدين بقراءة متزامنة لمتطلبات العصر ومستجداته سواء من الناحية المادية أو المعنوية، العارفين بفقه الواقع، الملتزمون بأحكام الدين والمتخلقين بأخلاقه، وباعتبارهم ورثة الأنبياء ومصباح الناس في الظلمات.
ب ـ تدين سقيم: وفحواه ما بين النهوض والسقوط وما بين الرشاد والغفلة، لا يستقيم أهله على منهج واحد واضح صريح، بل تغشاه مجموعة من القناعات في خطها العام تبقى مبتورة إما أخلاقيا أو تعبديا أو سلوكيا بل حتى مظهريا، وبالمقابل يكتسيه نوع من السلامة في مناحي أخرى. إلا أنه تدين قابل للتقويم شرط سكون أصحابه للمعرفة وطلب الصواب وتحريه.
ج ـ تدين عقيم: ومحتواه الشكلانية والظاهر، وتجريد النصوص الدينية من روحها ومعقولها وتتبع الهوى وزلات فكر الأتباع، ويكون في غالب الظن مبني على الاجتهادات الخاصة والمنفردة، كقراءة النص من الكتاب والسنة دون قواعده والسعي إلى تطبيقها ونشرها، أو الاقتناع بموروث ثقافي لا يتوافق بالمرة وخصوصية الأهل والبلد، أو تنزيل الأحكام دون مراعاة لحرمتها، أو إتباع مغلق لا انفراج له إلا بتوافق الهوى…
إن التدين في العصر الراهن أصبح موضوعا في غاية الحساسية لأنه مقرون بالقناعات المفضية إلا الممارسات، هذه الممارسات التي يستحيل أن تتوافق في منهج واحد وفكر واحد وقناعة واحدة، لذا يجب السعي إلى تفعيل كل مقومات الإصلاح لتسوية التدين وضبط معالمه وذلك بـ:
ـ الاهتمام بالكتاب والسنة الشريفة حفظا ومدارسة
ـ العناية بالمذهب الواحد وترسيخ قواعده
ـ التربية الروحية بغية تزكية النفوس….
وصدق من قال: “ليس التدين باللحى ولكن التدين مَنْ مِنَ الله عز وجل استحى”. ونضيف: “ليس التدين باللباس ولكن التدين من استأنس في كل أوقاته بالله عز وجل وكف أذاه عن الناس”.
