Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
تراثيات

سعيد حجي.. التحدي والاستجابة

كطيف عابر كان مقامه في دنيانا، وكأكثر ما تكون الحياة مساحة مركزة للتفكير والبذل والإنتاج الأدبي والثقافي، كانت سنواته الثلاثون التي ما كان قد جاوزها حين فارق الحياة الدنيا إلى الآخرة. من يستطيع أن يصدق أن رجلا عاش هذه الحياة القصيرة، هو ذلك الرائد الفذ من بين رواد الصحافة المغربية، والقلم السيال كتابة مهمومة بقضايا الوطن: استقلاله الكامل وقوته ووحدته، وتوحده مع محيطه العربي والإسلامي، ونهوضه من واقع صعب، كان الأستاذ سعيد حجي شاهدا عليه، شهيدا على أداء أمانته، قبل أن تعاجله الوفاة سنة 1942. لكنه كان حقا كذلك.

كيف اتخذ ذلك الشاب مكانه إلى جانب نخبة الأقلام الفكرية والأدبية المغربية في صحافة نهاية العشرينات وعقد الثلاثينات من القرن العشرين: محمد داود، علال الفاسي، عبد الله كنون، محمد بن الحسن الوزاني، محمد المكي الناصري..؟
بدأت الرحلة مبكرا حينما أسس ذلك الفتى السلاوي، وهو بعد في منتصف العقد الثاني من عمره جريدة (الوداد) الخطية، وأشرف على تحريرها بنفسه، قبل أن يعيد تحرير مادتها لاحقا في جرائد المشرق العربي الذي ارتحل إليه للدراسة، وقضى به أربع سنوات من حياته.
توالت أمارات همة مبكرة بتأسيسه مع جماعة من أصدقاء مرحلة الدراسة النظامية الأولى في سلا (الجمعية الودادية) التي عرفت نفسها بأنها “عبارة عن جماعة من الشباب المغربي، أخد على نفسه الاستقامة الدينية والأدبية، وتخلق بالدين الإسلامي، وحفظ كيانه الوطني وعمل لنصرة الحق، ونشر الدين والفضيلة والعلم، ووقف حياته لخدمة بلاده”، وما انقطع اهتمامه بقضايا المغرب الأسير في قبضة الاحتلال الفرنسي حينئذ، أكان داخله أم بعيدا عنه مستكملا تكوينه العلمي.
ما إن سمحت سلطات الاحتلال له بتأسيس صحيفة، حتى كانت جريدة “المغرب”، أول صحيفة يومية مغربية سنة 1936، كان وهو ابن أربع وعشرين سنة، يخوض التجربة في مساحة بكر اعتبر كثيرون أنها ستكون مدفنا لمغامرة محكوم عليها بالموت المبكر، فحولها بعد مدة قصيرة إلى مدرسة مغربية للكتابة الصحافية، التأمت حولها كوكبة من الأقلام، حملها الأستاذ المؤسس أمانة مشروع صحيفة وطنية رائدة، وحين اضطرت الجريدة للتوقف حرص على استبقاء ملحقها “الثقافة المغربية”.
ولأن مهمة التحرر لا تقوم، بل لا تنطلق إلا من ثقافة وطنية، ثقافة مقاومة بالضرورة، فقد أسس مع الأستاذين الحاج أحمد بناني، و أبوكر القادري “شركة النشر المغربية” لإخراج التراث الفكري المغربي، إذ رأى أن (للمغرب مؤلفات قيمة في مختلف المواضيع التي طرقها القدماء، تكون تراثا خالدا…لهذا فكرنا أن نساهم بقسط من الواجب الملقى على المثقفين المغاربة، بأن نعمل على نشر هذه المؤلفات…ورغما عن كل الصعوبات التي جعلتنا لا نتفاءل إلا بمقدار يسير، فقد صممنا على تنفيذ الفكرة، وإبرازها إلى الوجود، مؤملين معاضدة رجال العلم والبحث، وذوي الخبرة والاطلاع، وتشجيع سائر المثقفين والمستنيرين).

كتب عن مشروع “مكتب الشؤون المغربية”، كمركز للدراسات والبحث الشامل عن المغرب وقضاياه الثقافية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وخطط لتأسيس “دار الأطلس” مؤسسة مغربية للتوثيق والبيانات والإعلام. ودعا إلى“انتخاب ملكة النهضة” من بين المدن المغربية سنويا، وفق معايير العمل الاجتماعي والعلمي والأدبي، فماذا لو عاش الأستاذ سعيد حجي إلى اليوم؟، ما كان سيكون موقفه من ازدحام شهور مدننا ومواسمها بالمهرجانات، والتنافس فيها ثم إذا هي تنجلي عن “اللاشيء” من عناوين الثقافة والسياحة، بله النهضة.
فكر في تنظيم “معرض للنهضة العربية”: معرض لوسائط الثقافة والمعرفة من كتاب ومجلة ووثيقة، لا يكون مجرد معرض عابر ترص في أروقته بعض المكتوبات، بل نشاط فكري وطني متكامل تواكبه محاضرات فكرية عن “تطور النهضة العربية”. وفي إنشاء لجنة الدعاية المغربية، ومطابع المغرب… كانت آمال الأستاذ عراضا، ومشاريعه بطموح لا تتسع له الأعمار، فكيف بعمره القصير. فما سر هذه الشعلة المتقدة من التفكير والمسؤولية؟
يبدو ألا شيء قادر على تفسير “ظاهرة سعيد حجي” سوى قانون التحدي والاستجابة فعلا، ذلك الذي تأسست عليه نظرية كاملة في تاريخ الحضارة، حيث يكون العطاء بقدر استنهاض المؤثرات الخارجية لملكات الإنسان ومواهبه الكامنة، فتتجلى العزائم، لا على قدر أهل العزم فحسب، بل بمستوى التحديات الماثلة كذلك.
غير أن سؤالا آخر ينتصب هنا ملحا، هو أن التحديات التي يواجهها المثقف، وكل صاحب قلم لا تقل اليوم جسامة، فكيف تكون الاستجابة الراهنة بمقدار التحديات؟ وما سر تواري ذلك النموذج؟ بل العجيب فعلا أن أكثر تلك التحديات التي واجهت الأستاذ في الثلث الأول من القرن الماضي، لا زالت تواجه المثقف اليوم-في بدايات القرن الحادي والعشرين- بشكل من الأشكال.
أليست قضايا الهوية وإشكالاتها ما تزال حاضرة إلى اليوم؟، أليس ثمة بعد “أمرا خطيرا على لغتنا يجب الانتباه إليه” ؟ (عنوان مقال كتبه الأستاذ سعيد حجي بتاريخ 7 ماي 1929) كما صدر الأستاذ سعيد حجي تحذيره من (عواقب ما تريد السلطات الاستعمارية أن تقوم به من التفريق بين سكان المدن وسكان البوادي، و قطع أواصر الأخوة والتعاون بين سكان المغرب من عرب و“بربر” بمحاربة اللغة العربية، لغة القرآن، والاقتصار على اللغة الفرنسية ليقع الحاجز بينهم وبين إخوانهم في بقية أجزاء المغرب).
واحدة من أفكاره المذهلة حقا-بمنظار يمتد من حاضرنا إلى تلك البدايات- أنه دعا، متأثرا بنموذج “دار الهلال” في مصر، ومنشوراتها المختلفة، إلى تأسيس مؤسسة “دار المغرب” و“جريدة المغرب”، لتقوم بدور مؤسسة الصحافة والنشر الوطنية في نشر الجرائد والمجلات وسلاسل الكتب في مختلف الحقول والفنون، فأين هي اليوم (سنة 2006) مؤسسة إعلامية وثقافية وطنية من هذا النوع؟
رحم الله الأستاذ سعيد حجي، لقد كان فعلا مثقفا واجه تحديات واقعه، فكان في مستوى الاستجابة…
 

د. سمير بودينار
رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى