Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
رأي

مراكز الاستماع.. الدلالات والمحاذير

يتناول هذا المقال بعض الملاحظات بخصوص دلالات انتشار ما بات يعرف بـ”مراكز الاستماع” والتي تستدعي الاشتغال عليها. حيث يرى المقال أن هذه المراكز دليل على الحركية التي يعرفها المجتمع المدني المغربي، كما تقف شاهدا على نوعية الانفتاح الذي يعرفه المفرب… ويستعرض المقال أيضا بعض الملاحظات حول المحاذير التي ينبغي تفاديها من أجل ضمان نتائج إيجابية تخدم المواطن، وفي هذا الصدد تناول المقال ما يلي: إبعاد المراكز عن ساحة الاستقطاب السياسي والإيديولوجي،والتعرف على حاجات المجتمع الحقيقية، وتوفير الدعم الوطني لهذه التجارب.

الاشتغال على قضية «تجربة مراكز الاستماع في المغرب» تفرضه اعتبارات عديدة، منها:

أولا: إن هذه التجارب تنتمي في أغلبها إلى ما بات يعرف بـ«المجتمع المدني» ولا تخفى أهمية الدور الذي تقوم به مؤسسات المجتمع المدني في إحداث التحول داخل أي مجتمع من المجتمعات. فالسياسات التي تبنى تستهدف بالدرجة الأولى قطاعات المجتمع، وإذا لم يكن هذا المجتمع يحمل استعدادات للتفاعل مع تلك السياسات فإنها لن تجد طريقها إلى الترجمة. صحيح أن الوصول إلى ترجمة السياسات إلى واقع يتوقف أيضا على دقة السياسات وأمور أخرى، لكن درجة وعي المجتمع تساعد أيضا على تسهيل عملية الترجمة.

ثانيا: في السنوات الأخيرة، ومع الانفتاح الذي بدأ يعيشه المغرب على المستوى السياسي والحقوقي والإعلامي، وقع تركيز كبير على المجتمع السياسي، سواء في شقه المتعلق بالأحزاب السياسية أو في شقه المتصل بالنظام السياسي المغربي… مما جعلنا أمام تضخم على مستوى ما يكتب في هذا الجانب، إلى درجة يستبد بنا، أحيانا، اعتقاد بأن إحداث تحول في المجتمع السياسي-أو التحول الذي يقوده المجتمع السياسي- كاف لوحده، أو له حصة الأسد، في إحداث التحول الإيجابي المطلوب! لا ننكر أهمية المجتمع السياسي في المساهمة في إحداث التحولات الكبرى… لكن التحول لا معنى له إذا لم يساهم فيه المجتمع. فهو رافعة أي تحول.

ثالثا: من العادي جدا أن يشهد أي مجتمع مجموعة من الظواهر السلبية، بل إن هذه الظواهر هي التي تحرك العقل من أجل الإبداع وإيجاد الوسائل الكفيلة لتجاوزها، بل أكثر من ذلك، وهذا ما يقرره علماء الحضارات، إن الحضارات لا تتشكل عن طريق «الشروط المساعدة» إنما بدرجة أكبر عن طريق «الشروط المعاكسة». فالتحديات، كيفما كان نوعها، ضرورية لبناء التصورات. لكن المشكلة عندما يتوجه القسط الأكبر من الجهد الإعلامي والحقوقي شطر المشكلة نفسها وليس إلى المحاولات التي تبنى من أجل تجاوز هذه المشكلة.
رابعا: بما أن هناك إجماعا على أهمية فئتي الشباب والنساء في عملية تطوير المجتمع وتنميته، فإن تسليط الضوء على هذه المراكز أو الخلايا هي مقدمة من أجل تعميق النقاش في قطاعات مجتمعية هي عصب أي تنمية. ومن هنا تركيزنا بشكل كبير وكلي في هذا الملف على الأطفال والتلاميذ والنساء.
هذه الاعتبارات وغيرها تشير إلى مركزية المبادرات التي تأتي من المجتمع المدني. وبأن في المجتمع من يعنيه هذا الوطن، ويضحي بوقته وماله في سبيل تنميته. لكن كل ما سبق ذكره لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات التي ستساعد على ترشيد عمل المراكز حتى لا تحيد عن الأهداف والمقاصد التي وجدت من أجلها، وهي ملاحظات تتضمن محاذير ومقترحات في نفس الوقت.

الأولى: إبعاد المراكز عن ساحة الاستقطاب السياسي والإيديولوجي

من الآفات التي قد تسقط فيها مراكز الاستماع، المنتمية في غالبيتها إلى المجتمع المدني، آفة الاستقطاب السياسي والإيديولوجي، بمعنى أن تتحول هذه المراكز إلى واجهة للمجتمع السياسي أو واجهة للإيديولوجيا بمفهومها الضيق؛ واجهة للمجتمع السياسي لما ينظر إلى «الوافدين» على المركز ليس كمواطنين لهم حاجات، وبهم يتقدم الوطن، إنما كـ«طليعة تكتيكية» بها تخاض المعارك السياسية، حيث نكون أمام معارك ظاهرها «المجتمع» وباطنها «السياسة»! فعندما لاحظت بعض مكونات المجتمع السياسي، خاصة الأحزاب السياسية، أن الإقبال عليها ضعيف عمدت إلى «الدخول» على المجتمع من باب آخر، غير باب العمل السياسي؛ أقصد باب العمل الاجتماعي (باب المجتمع المدني)! وواجهة للإيديولوجيا عندما تتحول هذه المراكز إلى «وسيلة» لإثبات الأفكار القبلية للقائمين عليها، وليس كـ«وسيلة» لرؤية الواقع كما هو ولتعديل الأفكار!

الثانية: التعرف على حاجات المجتمع الحقيقية

يجب ألا يقتصر عمل مراكز الاستماع -فقط- على «معالجة» بعض الظواهر الفردية أو الجماعية، لأن المركز قد يتمكن من إنقاذ حالة مرضية هنا أو هناك… لكن هذا الأمر غير كاف. فبالإضافة إلى مقصد المعالجة ينبغي تسطير مقصد آخر، وهو تحديد طبيعة المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع، وعلى ضوئها سيتم بناء أولويات نابعة من تلك الحاجات. بمعنى أن تساهم هذه المراكز في عملية بناء السياسات. ففي بعض الأحيان يتم التخطيط لواقع موجود في ذهننا فقط وليس لواقع متعين! وهذا المسلك سيساعدنا أيضا على مناقشة الكثير من القضايا والأعمال الفنية والأدبية… وغيرها، والتي تثير احتقانا سياسيا وثقافيا بين الفينة والأخرى، وذلك بطرح التساؤل التالي: هل هذه الأعمال نابعة من الحاجات الحقيقية للمجتمع المغربي أم أنها نابعة من حاجات مجتمع آخر، أم أنها نابعة من «حاجات» موجودة فقط في ذهن القائمين على تلك الأعمال!

الثالثة: توفير الدعم الوطني لهذه التجارب

يتطلب عمل المراكز دعما مزدوجا؛ دعما فكريا، وذلك بانخراط ذوي الكفاءات المتنوعة للمساهمة في جعل هذا العمل في مستوى الحالات المختلفة التي تفد على المراكز. ودعما ماليا، لأن مثل هذه الأعمال تتطلب ميزانيات ضخمة من أجل إنجاحها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى