هل بدأ أوباما يغير من سياسته الهادئة؟

يتنبأ المحللون الدوليون أن الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” يتجه نحو اعتماد سياسة خارجية شبيهة بتلك التي نهجها سلفه جورج بوش الإبن. ويرى هؤلاء أن “أوباما” تلقى ضربات أمنية قاسية خلال الشهور الأخيرة كان أشدهما مقتل عملاء (سي إي إيه) في أفغانستان، وهو هجوم نفذه عميل مزدوج، ثم محاولة تفجير طائرة أمريكية من قبل نيجيري اسمه “عمر فاروق عبد المطلب” في أعياد الميلاد الأخيرة.
يرى بعض المراقبين أن التوجه الجديد للسياسة الأمريكية الخارجية أملته أيضا ضغوطات كبيرة يمارسها الجمهوريين على أوباما، حيث يعتبرون سياساته “الهادئة” هى السبب فى عودة الهجمات الإرهابية ضد أمريكا.
هل يغير أوباما من سياسته الخارجية
تحاول القوى اليمينية في الولايات المتحدة، والتي كان لها نفوذ قوي في عهد جورج بوش، دفع أوباما إلى نهج سياسة صارمة ضد الإرهاب، وألا يتقاعس في الضرب بقوة على أيدي عناصر القاعدة، التي يبدو أنها نقلت أنشطتها خارج الحدود الأفغانية ـ الباكستانية إلى الصومال واليمن والحدود الجزائرية ـ الموريتانية. القوى اليمينية تلعب أيضا على وتر حساس وهو محاولتها إقناع أوباما ضرورة الربط بين “الإرهاب والإسلام”، كمسلمة نهائية في الاستراتيجية الخارجية لأمريكا، وهو أمر يحاول ألا يسقط فيه الرئيس الحالي، حتى لا يعيد تجربة سلفه بوش.
يؤكد د.جمال عبد الجواد، مدير مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية، أن ما سيفعله أوباما ليس هو العودة إلى نهج جورج بوش، ولكن “محاولته للتعامل والاستجابة للإخفاق الأمني الذى اتضح بعد فشل تفجير طائرة ديترويت”، مستدلا على ذلك بإلغاء إدارة أوباما لمصطلح “الحرب ضد الإرهاب”، وعدم ميلها لمواجهة الإرهاب بالحروب.
على عكس من ذلك يرى د.نبيل عبد الفتاح، رئيس مركز تاريخ الأهرام، أن أوباما سيميل إلى “استخدام لغة ناعمة تسعى للحوار في ظاهرها، وسيستخدم منطق القوة في قفاز حريرى فى مواجهة خصوم أمريكا”.
بعد عام من تولي أوباما رئاسة الولايات المتحدة، بدأت دوائر أمريكية عديدة تتحدث عن هفوات سياسية واستراتيجية متفاوتة الحجم ارتكبها أوباما، خاصة على مستوى السياسة الخارجية، مع التنويه بالعديد من نقاط القوة، تتجلى في نشاطه السياسي، وخطاباته التاريخية في القاهرة وبراج وموسكو والأمم المتحدة، وقيامه بزيارة عشرين بلدا خلال عامه الأول في البيت الأبيض.
يخلص العديد من المحللين إلى أن الحوادث الأمنية الأخيرة التي عرفتها أمريكا من المتوقع أن تدفع أوباما شيئا فشيئا إلى خوض غمار المعركة مع “إرهابيي العالم”، وخوض المواجهة في اليمن وباكستان وأفغانستان والصومال، من أجل تجاوز بعض إحباطاته الأمنية والسياسية.
كما أن أجواء الحرب والإرهاب والقاعدة بدأت تخيم على نفسيات الأمركيين هذه الأيام، بالإضافة إلى أن نشر بعض التقارير حول فشل أمريكا في أفغانستان وفي علاقاتها مع إيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا وكوبا، جعل أوباما ينتفض أخيرا مستغلا حادث محاولة النيجيري عمر فاروق تفجير إحدى الطائرات الأمريكية، من أجل تحميل أجهزته الأمنية والاستخباراتية فشل التصدي لتلك العملية الإرهابية.
الإصلاح الأمني لأوباما
وجه الرئيس الأمريكي باراك أوباما تقريعا لاذعا لأجهزته الأمنية والاستخباراتية، يوم أمس الثلاثاء خلال اجتماع معهم، على إثر محاولة تفجير طائرة ركاب أميركية بمناسبة حلول السنة الميلادية الجديدة 2010 من قبل مواطن نيجيري يدعى “عمر فاروق عبد المطلب”.
اعتبر أوباما أن مرد إخفاق تلك الأجهزة في إحباط المحاولة الإرهابية هي أن العاملين في دواليب الاستخبارات الأمريكية كانوا على علم مسبق بأن النيجيري فاروق ذهب إلى اليمن وانضم إلى متطرفين هناك، وكانوا أيضا على اطلاع بأن القاعدة في جزيرة العرب كانت تريد الاعتداء على الولايات المتحدة نفسها، ولم يحركوا ساكنا في نهاية المطاف.
وانتقد الرئيس أوباما أجهزته الأمنية، ليس فقط على مستوى تجميع المعلومات والربط بينها، بل حتى على مستوى فهمها وتحليلها، وهو أمر كان يقتضي اتخاذ إجراء بسيط هو وضع المشتبه به على لائحة الأشخاص الممنوعين من السفر إلى الولايات المتحدة، وهو ما لم تقم به تلك الجهات المعنية.
استدعى أوباما لاجتماعه الأمني كبار المسؤولين الأمريكيين، ليخبرهم بفداحة الأخطاء التي وقعت فيه الأجهزة الاستخباراتية، وقد حضر هذا الاجتماع كل من مدير أجهزة الاستخبارات الأميركية “دنيس بلير”، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي اي ايه” “ليون بانيتا”، ومدير مكتب التحقيقات الفدرالي “اف بي اي” “روبرت مولر”، ومدير وكالة الأمن القومي “كيس الكسندر”.
وتوعد أوباما أجهزته الأمنية بأنه سيتولى تصحيح أخطائها معلنا عن اتخاذ مجموعة من التدابير الداخلية مثل تقييم أنظمة التفتيش بالمطارات، وإحداث التغييرات الضرورية لتحقيق فعالية أكبر، وتحديد سبل عمل قوائم مراقبة الإرهابيين بصورة أفضل، وتفتيش أكثر دقة للمسافرين.
كل هذه الأحداث المتسارعة، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي للولايات المتحدة الأمريكة، تدفع المحللين إلى توقع تغيير تدريجي في السياسة الخارجية لأوباما، والظهور بمظهر الرجل القوي المتصدي لقوى الإرهاب العالمي، وهو توازن يحتاج إلى تحقيقه الرئيس الأمريكي الحالي، إضافة إلى ظهوره خلال العام الأول من رئاسته بمظهر الرجل السياسي المنفتح على العالم، والذي يجيد التواصل مع أشرس المعادين لنظامه.
