الحافظ الرحالي الفاروق.. أو”الكاتب” على الطريقة المغربية

“ليس العلم بكثرة التأليف، ولكن بالمدارسة والمناقشة..!”
الشيخ إبراهيم التادلي المغربي جوابا على سؤال الشيخ محمد عبده عن حالة التأليف في المغرب.
حين اكتمل جمع جزء من مقالات ومحاضرات الشيخ الرحالي الفاروق بعد وفاته، وصدر تباعا منذ سنة 1988، جاء في ما يقارب الألف وخمسمائة صفحة، موزعة على أربعة أجزاء في عشرة حقول معرفية كاملة (الدراسات القرآنية ، السيرة والحديث النبوي، الإسلاميات، الوطنيات، الاجتماعيات، الفتوى، الأعلام، المناسبات، اللغة والتربية، المتنوعات)، تطالعها فتجد علما غزيرا وضبطا علميا صارما ربما عز اليوم نظيره، ولغة قوية أخاذة، ممتنعة على التقليد في سجعها التلقائي الجميلغير أن العالم الرحالي الذي بلغ درجة الإتقان في الحديث، وبالرغم من ذلك الإنتاج الشفهي والدوري كله، لم ينشر له عمل علمي واحد في أي من العلوم الشرعية التي أتقنها، ولا في غيرها، هذا الرجل الذي ذاع صيته العلمي مشرقا ومغربا، وعرفه المغاربة مفسرا للقرآن الذي حفظه بالقراءات السبع، ومفتيا ومربيا ومدرسا لا في مراكش وحدها بل في عموم المغرب: مجالس علمه ودروسه الحسنية، وأستاذا جامعيا في معاهده وكلياته، لم يصدر كتابا واحدا طيلة حياة حافلة بالعلم، امتدت حوالي ثمانين سنة.
صحيح أنه كتب بعض الرسائل والتعليقات في غير مجال من مجالات العلوم الشرعية واللغوية والأدبية، وقضايا الفكر الإسلامي،يبينها بقوله: “ولجامع الحروف مقالات وكلمات في شتى المواضيع والجهات، نشر جلها في مجلة “لسان الدين” التي يحررها صديقنا الأستاذ الفاضل السيد عبد الله كنون، وفتاوى فقهية، وأحكام شرعية…ومطارحات أدبية ومغامرات سلبية أيام السواد والحداد، ومصارعة بين العدل والظلم، والحق والباطل،…وطرر على توحيد الإمام ابن عاشر كتبتها عام 1360هـ/1941 ودعوتها” فتح العلي القادر على توحيد الإمام ابن عاشر”، وتعليق خفيف على مقدمة بداية المجتهد ونهاية المقتصد وسميته “الإعلام والإشادة بما انطوت عليه مقدمة البداية”…”، لكنه يخبرنا بأسف أنها ضاعت لتعذر الاحتفاظ بها في فترات ماضية من حياته”…لو كتب لها البقاء لأقرت العيون وأبهجت النفوس، وكانت فنا من فنون الأدب، ولكن الظروف لم تكن تساعد على الاحتفاظ به، ولا تشجع على وضع مثله، ولظروف الزمان والمكان أثر كبير في قيمة وحفظ عمل الإنسان..”، وما بقي منها محفوظا إلا مقالات متفرقة في مجلات ك”لسان الدين” التي كان يصدرها الأستاذ عبد الله كنون، و”الإرشاد ودعوة الحق” اللتين تصدرهما وزارة الأوقاف، و”الإحياء والميثاق” لرابطة علماء المغرب وغيرها، إضافة إلى دروسه الحسنية التي ألقاها مرارا منذ 2 رمضان 1385هـ/1966، وكثيرا ما كان في نهايتها يختص بختم صحيح البخاري.
فما الذي جعل عالما من هذا الطراز الرفيع من العلماء لا يخلف كتبا ومصنفات علمية، تبني تراثا من المعرفة وتذكر بتلك السعة المشهودة في العلم؟
يكاد الشيخ الرحالي الفاروق يكون نتاجا نموذجيا للمدرسة المغربية في كل شيء، في تعلمه وتعليمه، وفتاواه و”كتابته”. حين ولد في العقد الأول من القرن الميلادي الماضي كان المغرب في وضع يؤهله ليكون على شفا الحقبة الاستعمارية، لكن الناس ظلوا مع ذلك مهتمين كما كانوا دائما بتعليم الأبناء- ما استطاعوا- حتى في أصعب الظروف، فحفظ الفتى “السرغيني” القرآن، ثم مبادئ المعرفة الدينية واللغوية من خلال متون العلوم، رحل بعد ذلك إلى مراكش حيث جامعة ابن يوسف ثاني أهم جامعة علمية في المغرب حينئذ، فقضى في الأخذ عن علمائها سبع سنوات، بعدها كانت المرحلة الثانية من رحلة العلم، إلى فاس حيث “القرويين” الجامعة الأولى.
اللافت للانتباه أن الشيخ سرعان ما قفل راجعا إلى مسقط رأسه بعد إنهاء المرحلة الأساسية من تعليمه، للقيام بواجب “تعليم الناس أمور دينهم”، فكان ذلك معلما من معالم تلك الرسالية التي وسمت فكر الرجل وسلوكه، وبقيت ملازمة له طيلة حياته.
لقد أدرك منذ تلك المرحلة المبكرة أن المثقف لا يستمد مشروعية المكانة والرمزية التي يتمتع بها إلا إذا كان “مثقف الأمة” التي ينتمي إليها، حريصا على أداء حق كافة الفئات المجتمعية، بما فيها تلك “الشعبية” التي بدأ معها مدرسا للتفسير وعلوم القرآن، والأصول والبلاغة والفقه، في المساجد بقبيلته أولا، ثم في مساجد مراكش ابتداء من سنة 1931، وحين انتظم التدريس بالجامعة اليوسفية سنة 1939 التحق بها أستاذا مع مواصلة عقد حلق علمية بمساجد الكتبية وابن يوسف.
كما ظل يتجشم عناء السفر بعد ذلك بسنوات كل أسبوع بين مراكش والرباط مدة خمس سنوات وقد ناهز الستين من العمر، حين افتتحت دار الحديث الحسنية (سنة 1964) واظطلع فيها بتدريس مادة الحديث النبوي، حيث المهمة نفسها “التربية والتعليم” وإن على المستوى الأكاديمي، غير الشعبي العام هذه المرة، لكنه الإحساس بالمسؤولية نفسها، والسعي الدائم لأداء أمانة المجتمع .
ولأن الاستعمار لابد أن يصطدم مع كل قوة حية في المجتمع، محاولا إلغاءها أو الحد من تأثيرها، فقد جاء الاصطدام مع الشيخ سريعا، محنة واعتقالا ومنعا من الخطابة، بعد نفي الملك محمد الخامس وإصدار الفاروق مع ثلة من علماء مراكش فتوى “بضلال الباشا الكلاوي وأتباعه”، وامتناعه عن بيعة ابن عرفة. وحين أكره على كتابة وثيقة بخلاف ما يعتقد كتب فيها قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ). فلما جاء الاستقلال عاد لخطبة الجمعة في جامع الكتبيين، وعين رئيسا لجامعة ابن يوسف ثم رئيسا للمجلس العلمي بمراكش.
نحن إذن أمام “نموذج مغربي كامل” لعالم الشريعة، دقة في التحصيل والتكوين، وإحساس عال بالمسؤولية تجاه المجتمع، وطليعية في الموقف من التحديات والمخاطر التي تواجهه، كل ذلك مع صرامة بالغة مع الذات في تحديد معايير الكتابة، أو ما يستحق أن يكون معرفة تعم بين الناس.
غير أن هذا النمط من الشخصيات يطرح في الواقع إشكالا آخر، هو المتعلق “بالإقلال” كسمة في الكتابة، وهو ما نلحظه عند غير واحد من الأعلام المغاربة.
فهل تكون النتيجة النهائية للالتزام تجاه المعرفة ومتلقيها أن تحبس في الصدور؟ وهل يعني الإحجام عن كتابة كل ما ليس “فائدة علمية وحكمة سنية لم يسبق إليها متقدم ولم يدانيها متقلم” -كما قرر المتقدمون- أن يتحدد مجال انتشار العلم في مجالسة و بين خاصة طلابه؟
إنها السمة التي ما زالت إلى اليوم عنوانا للإنتاج الفكري لدى كثير من علماء المغرب الكبار، ومفكريه المجددين، اللذين بلغوا الذروة في مراتب العلم، وملأوا محافله ومنتدياته علما وحكمة، ثم إذا هم حين تسأل عن إنتاجهم المكتوب، تجدهم، في الكتابة المتداولة والنشر، أوفياء لتلك “الخصوصية المغربية”.
د. سمير بودينار
رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة
