الدرس الحسني الأول لسنة1432هـ2011م

مولاي أمير المومنين،
السؤال الذي سنجتهد في الإجابة عنه في هذا الدرس، إن شاء الله، هو الآتي: ما موقع البيعة من الدستور؟ وما موقعُ الدستور من البيعة؟ و لوضع هذا السؤال مبرر ومناسبة، أما المبررُ فهو أن البيعة عقدٌ وتعاقدٌ حكَمَ العلاقة بين الحاكِم والمحكوم على امتداد تاريخ المغرب، والدستورُ قد اتخذته الأمة لضبط هذه العلاقةِ في نصف القرن الأخير من حياتها، مع استمرارِ البيعة حاضرةً في ضمير الأمة وعقيدتها وممارستها.
وسنتدرج بحول الله في هذه المعالجة عبر ثلاثة محاور هي كالآتي:
1) ذكر البيعة في أصلها الشرعي؛
2) ذكر البيعة في تاريخها المغربي؛
3) ذكر البيعة في حاضر المغرب ومستقبله، إن شاء الله.
وننطلق في هذه المعالجةِ من آية قرآنية نعتبرها مؤسسة لموضوع البيعة ومؤطرة له، وهي قوله تعالى في سورة النساء: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمر منكم﴾ (سورة النساء، الآية 58).
فبقطع النظر عن الأسباب الخاصة لنزول الآية، يرى المفسرون أن سياقها الموضوعي هو ما أمر الله به من الحكم بالعدل، وفي دائرته يُفهم الأمر للمؤمنين بأن يطيعوا ولاة أمورهم، إذ أن جريان العدل يقتضي الطاعة، وعقيدةُ المؤمن أن ما أنزل الله عدلٌ، وأن تنفيذه متعين، إذا اتَّبعه الحاكمُ وحكم به. فالطاعة هنا طاعة في المعروف أي طاعة الشريعة، ولا يجوز أن تختلط في الأذهان بأي نوع من أنواع الاستبداد الشخصي المبني على الشهوة والهوى، فأولو الأمر مجرد منفذين مجتهدين.
وهكذا تؤسس هذه الآية لعلاقة الحاكمين بالمحكومين،وتؤسس للحكم، وتؤسس للاختلاف الذي قد تفضي إليه الممارسة، وتؤسس لآلية تجاوز الاختلاف، وتؤسس لوازع الإيمان الذي يجعل الطاعة إرادية لا مجردَ إكراه مقابل الخدمة، كما في بعض تصورات العقد الاجتماعي الحديث، إنها تؤسس لعلاقة تعاقدية ثلاثية الأطراف، طرفُها الأول مصدر التشريع، الله ورسوله، وطرفها الثاني المحكومون الذين لهم مصالحهم في إجراء الأحكام، والطرف الثالث هم الحكام بمختلف صفاتهم، علاقةٍ أفقيةٍ و عمودية، وإذا تحقق من بعدها الأفقي العدل الذي هو شأن جميع البشر، لم يقتض ذلك أن يكون كل المستفيدين منها في البلد الواحد من المنسوبين إلى الإيمان.
بدأ هذا الصنف من التعاقد بالبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويؤرخ القرآن الكريم لذلك تصريحاً في آيتين من سورة الفتح، وآيةٍ من سورة الممتحنة. قال الله تعالى في الآية العاشرة من سورة الفتح: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ وقال في الآية الثامن عشرة من نفس السورة: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم﴾ وقال في الآية الثانية عشر من سورة الممتحنة ﴿يا أيها النبي إذا جاءك المومنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفتترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم﴾
عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتين وستين سنة، أربعين منها قبل الشروع في الدعوة، واثنتين وعشرين سنة في الدعوة، قضى منها ثلاث عشرة سنة في مكة قبل الهجرة إلى يثرب، وعشرَ سنوات أقامها في هذه المدينة.
كان طيلة السنوات التي قضاها في مكة يدعو قومه قريشاً إلى الإسلام، فلم يستجِب منهم إلا ثلةٌ قليلة من الرجال والنساء، لجأ بعضهم إلى الحبشة فرارا من الاضطهاد، وصبر آخرون حتى هاجروا معه إلى يثرب.
و بعد سعي حثيث وجد سنداً خارج مكة، حيث آمن به بعض أهل يثرب الوافدين على مكة في مواسم الحج السنوية، لأن العرب كانت تحج وتعتمر قبل الإسلام. كانوا قي اللقاء الأول أقلَّ من عشرة، بايعوه على الإيمان، ورجعوا يخبرون أهلهم بدعوته، سمي ذلك الالتزام من قِبَلِهم بالبيعة، وعُرفت بالمكان الذي جرت فيه خارج مكة، وهو العقبة، فسميت ببيعة العقبة الأولى. وعلى إثرها أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم من أصحابه من يبشر بدعوته في يثرب، فهيأ بذلك للقاء سري مماثل في العام الموالي، بنفس المكان، بالعقبة، مع وفد فيه رجال ونساء زاد عددهم عن السبعين، فبايعوه على ضمان الحماية والنصرة إذا هاجر إليهم، مقابل الجنة. وسميت ببيعة العقبة الكبرى، ولما هاجر عقد مع جميع القبائل هناك، من مسلمين ويهود، اتفاقاً سماه الأستاذ حميد الله رحمه الله ب”دستور المدينة”، فمن خلاله أسس الرسول لأمة مبنية على حلفٍ للدفاع عن المدينة، ينص على ضمان حرية العبادة للجميع، و مراعاة علائق النصح والبر بين الأطراف، وعلى الالتزام بنفقات الدفاع، وعلى عدم إلزام الطرف الآخر بالتضامن في حالة الهجوم، وعلى التزام الجميع بتطبيق العدل، وعلى تحكيم محمدٍ في النزاعات، وعلى نصرة المظلوم، وعلى ألا يأثم امرؤ بجريمة حليفه.
إن هذا الاتفاق، يامولاي، وإن لم يكن بيعة، من شأنه أن يفيدنا في التعرف على الروح التعاقدية والتنظيمية للعلاقات التي نشأ فيها الإسلام، في ظل رعاية أخلاق العهد والميثاق.
أما البيعات العامة الأخرى في عهد النبوة، فهي بيعة الرضوان التي جرت وقائعها تحت الشجرة، بايع فيها أربع عشرة مائة، خرج بهم الرسول في السنة السادسة للهجرة كي يعتمروا فمنعتهم قريش، وكان لزاما الاستعداد لقتال محتمل، ولكن النبي لم يرد أي يلقي بالناس في أمر القتال وهم على غير التزام، وكذلك كانت البيعات تجديدا للتعاقد على أمر عام، هو أمر الدخول في الإسلام، أو على مواجهة ظرف خاص من بناء حياة الأمة. والذي تأسس للتاريخ بالبيعات هو تكريس أهمية التعاقد في حياة المسلمين السياسية.
أما البيعة الشهيرة الأخرى، فهي بيعة فتح مكة، وفيها بيعة الرجال وفيها بالخصوص بيعة النساء، وشروطها مبسوطة في كتب السيرة.
مولاي أمير المومنين،
يعد عهد الخلفاء الراشدين عصر الاختبار لتطبيق أحكام الإسلام في غياب مبلغ رسالته، وباني أمته ودولته. وقد أدرك الصحابة خطورة الموقف عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فَنَجِدُهُم ينجزون البيعة حتى قبل دفنه، إذ بادر أبو بكر مخاطبا الصحابة بقوله: “لابد لكم من رجل يلي أمركم ويصلي بكم ويقاتل عدوكم.” فكلمة “لابد” تعني وجوب التنصيب لحاجة الأمة، وكلمة “يلي” بمعنى يتقلد مسؤولية تدبيرٍ يعود إلى الجماعة في أمور ثلاثة، السياسة والإمامة والحماية الداخلية والخارجية للكيان الجديد.
كان الإشكال مطروحا على حزب المهاجرين وحزب الأنصار، وكانت داخل كل حزب حساسيات، ووقعت الترشيحات، ووقع التداول، وتم الفصل في اجتماع بسقيفة بني ساعدة، وبويع أبو بكر، وحمل اللقبَ الجديد “خليفةُ رسول الله”، وألقى خطابا قال فيه: “وُليت عليكم ولست بخيركم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله”، ثم قال: “أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.
كانت بيعة السقيفة بيعةَ النخبة التي ستسمى على امتداد تاريخ الإسلام ببيعة الخاصة، ثم لما انتقلوا إلى المسجد جرت البيعةُ العامة.
وفَّى أبو بكر بميثاقه في مدة خلافته القصيرة، وهي عامان وثلاثةُ أشهر، وقبل موته عيَّن من يخلفه في الحكم في شخص عمر بن الخطاب، ووقعت تزكية هذا التعيين بمبايعة من كان في المدينة من الصحابة.
تولى عمرُ مدة عشرِ سنوات، قام فيها بالأعمال الجليلة التي سجلها له التاريخ، ولكنه صنع بالخصوص أسطورة الحاكم العادل الصارم في الإسلام، صورةً ظلت تُنعش أمثولةَ النظام السياسي القويم في نفوس المسلمين. ومع ذلك تعرض عمر للاغتيال في المسجد، وقبل أن يسلم الروح جعل الخلافة شورى بين ستة من زعماء الصحابة، وحدد لهم ثلاثةَ أيام لحسم الاختيار، وعهِدوا لعبد الرحمان بن عوف بأن يتقصى في المشاورة والاستطلاع، فاختار عثمان. بويع عثمانُ ووافق عهده الذي امتد اثنى عشر عاماً مرحلةً خطيرةً في التحول المادي والأخلاقي للمجتمع، إذ انصب النقد على بعض مظاهر الترفُّه، وإن كان أصله من المال الحلال، كما تناول النقد اجتهادات لها علاقة بالتعيينات في المناصب أو بالتصرف في المال، و كان من أسباب التذمر أيضاً أن بعض القبائل لم تتعود الحكم المركزي. فاندلعت الثورة التي عُرفت بالفتنة الكبرى. وكان من عواقبها مطالبةُ عثمان بالتنحي، ثم قتلهُ في داره.
بويع عليٌّ رضي الله عنه بفضل ما كان له من التميز، وأيده كبار المهاجرين والأنصار، ولكن بني أمية، وعلى رأسهم معاوية، عامِلِ الشام، انبروا يطالبون بالتحقيق في مقتل قريبهم عثمان، وتأزم الحال عندما سارع الخليفة الجديد بعزل عدد من العمال، ومن بينهم معاوية، فقام هذا الأخير بمعارضته وقتاله، وأفضى الهرج مرة أخرى إلى اغتيال علي، وكان معاويةُ قبِل ذلك قد أعلن نفسه خليفة، ونقل عاصمة الدولة الإسلامية إلى دمشق.
إن حكم أهل السنة على الوقائع المشار إليها يقوم على حسن الظن بالمنطلقات النزيهة للصحابة، في حالتي الخطأ والصواب، ولكن هذا العهد شهد مع ذلك وقائعَ مأساوية، من أعنفها اغتيالُ ثلاثة من الخلفاء، في ما يكرس تجربةً مثالية من وجهة الحق المحض، ولكنها تجربةٌ غير ناجحة من منظور التاريخ السياسي، وهو ما يفسر عددا من ملامح التطورات اللاحقة.
يستنبطُ من البناءِ النظري لقضية الإمامة عند أهل السنة أن الحكم في الإسلام ليست له طبيعة ثيوقراطية ولا استبدادية، بل هو أقرب في التصريف العملي إلى الحكم الديموقراطي، حيث إن الجماعة هي التي تبايع الخليفة، وهو نائب عنها، وتظل وراءه لنصحه، وتذكيره، وحمله على أداء الواجب، وتقوِيمه، بل وعزلِه إن ارتكب ما يوجب ذلك، وقد حدث بالفعل في المغرب أن خلع الشعبُ السلطان المتوكلَ السعديَّ لأنه استعان بالأجانب. فالشورى نزل بها القرآن ومارسها النبي والخلفاء الراشدون، وهي بالنسبة للمؤمنين واجب، وليست مجردَ توصية أخلاقية.
وهنا لابد من استحضار فكرةٍ هيمنت على الضمير والفكر الإسلاميين، وكان من ضغطها أن قلصت الجرأةَ في محاسبة الحكام على أساس الشروط النظرية المسلمِ بها، ونقصد بها مسألةَ الخوف من الفتنة، أي ما نسميه اليوم بالتمرد والعصيان. فالمتكلمون رأوا أن من المبررات العقلية لوجوب تنصيب ولي الأمر، أنه يدرأ الفتنة. ومن ثمةَ شدد الفقهاءُ على ضرورة التمسك بالطاعة، ما لم يأمر الحاكم بما يخالف صريح القرآن.
و تولي الحكم يتم بإحدى الطريقتين:
البيعة التي يقدمها الخاصة، وهم أصحاب الحنكة والنظر في السياسة، ويعرفون أيضا بأسماء أخرى، مثل أهل الاختيار، وأهل الحل والعقد، ويكونون من أعيان الدولة أو من فضلاء كل جهة. وهم بتعبير عصرنا قادة الرأي العام.
أما الطريقة الثانية، فهي ولاية العهد التي بدأت مع الأمويين، على أن المتولي لا يقبل إلا بعد تحصيل البيعة.
وبالرغم من كون الحاكم لا يُشَرِّع، إذ أن أصل التشريع هو القرآن والسنة، فإنه يلجأ إلى تأويل ما هو قابل للتأويل، كما يلجأ بفضل معونة الفقهاء إلى تقنيات مثل الإجماع والقياس والاستحسان. ومن الأمثلة الرائعة على تمسك النظر الإسلامي بمبدأ اختيار الحاكم ، فتوى إمامنا مالك رضي الله عنه في عدم جواز يمين المكره، وبالتالي عدم صحة البيعة إذا لم تقم على الاختيار، وقد تعرض للمحنة والتعذيب بسبب رأيه، غير أنه لو حاولنا أن نتصور كيف يمكن لولي الأمر العباسي الذي امتحنه، أن ينظم الاختيار والشورى في عصره، لما كان هذا التصور بالأمر الهين. لكننا نفهم من موقف الإمام مالك أن واجب إمام مثله هو أن يتشبث بالمبدأ ويصدع به، إلى أن يصل إلينا في هذا الزمان. ولابن خلدون، الذي تعرض لتحول الدولة الأموية إلى ملك بعد الخلافة الراشدة، رأي في هذا الاتجاه، فهو يقول: “لما لقي معاوية عمر بن الخطاب رضي الله عنهما عند قدومه إلى الشام في أُبَّهَة الملك وزيه من العديد والعدة، استنكر ذلك وقال له عمر: أكسرويةً يا معاوية؟ فقال يا أمير المؤمنين، إنا في ثُغر تجاه العدو، وبنا إلى مباهاتهم بزينة حاجة، فسكت عمر ولم يُخَطِّئه… فلو كان القصد رفض الملك من أصله لم يقنعه الجواب.” إلى أن يقول ابن خلدون : “وإن كانوا ملوكاً، يقصد الأمويين، لم يكن مذهبهم في الملك مذهبَ أهلِ البطَالة والبغي، وإنما كانوا متحرين لمقاصد الحق جهدَهم إلا في ضرورة تحملهم على بعضها مثلِ خشية افتراق الكلمة الذي هو أهم لديهم من كل مَقْصَد.”
والواقع أن تأثير فكر المتطرفين من خوارج السنة من جهة، وتأثيرَ فكر المتطرفين من الشيعة من جهة أخرى، تضافرَا على رسم صورة دولة أموية آثمة طاغية منحرفة. والواقع أنه ما من مؤرخ حصيف يطمئن إلى مثلِ هذا الحكم وهذه القطيعة مع الخلافة، فلا يجوز أن ينسب إلى معاوية الطغيانُ وهو من هو في الصحابة، ولا يجوز الحكم بالفساد على كل أحفاده، وفيهم صالحون من أمثال عبدِ الملك الذي احتج الإمام مالك في الموطأ بعمله، وفيهم عمرُ بن عبد العزيز الذي قال في خطبة مبايعته: “ألا وإني لست بقاضٍ ولكني منفذ، ألا وإني لست بخازن ولكني أضع حيث أُمرت، ألا وإني لست بخيركم ولكني أثقلكم حِملاً، ألا ولا طاعة لمخلوق في معصية خالق.” وما قيل بهذا الشأن في الأمويين يقال في العباسيين، ففيهم الصالح وفيهم الطالح، أما انتشارُ الإسلامِ وبناءُ حضارته في النظم والعلوم والفنون برعاية الدولتين، فذلك جانب لا مجال فيه للمراء والمماحكة.
أما في المغرق فقد قام الحكم على البيعة منذ قيام الأدارسة، ومنذ اليوم الأول انبنى استحقاق المشروعية على أمرين، البعد الروحي المتمثل في النسب الشريف وغيره من الشروط المقررة، والبعدِ الثاني المتمثل في الاختيار والرضا كأساس للتولية، وجاء في معظم الحالات في سياق تكريس ولاية العهد، وبهاجس التقليل من فُرص الفتنة وويلات الفراغ.
كان لكل أسرة حاكمة مشروع، فقد قامت الدولةُ الإدريسية في سياق تحرر سياسي اجتماعي من التصرفات الظالمة لبعض ولاة دولة الخلافة في المشرق. وقامت إيديولوجية بعض الإمارات الأمازيغية في سياق الخوف على المغرب من أطماع العبيديين في إفريقية والأمويين في الأندلس. وقامت الدولة المرابطية على أساس تحقيق توحيد القبائل في دولة مركزية تكون أقدر على حماية عقيدة السنة وإنقاذ الأندلس، وقامت دولة الموحدين على أساس خلق حركية سياسية تزعَّمها الحزب المصمودي الذي وصل بالدولة إلى أقصى مداها الجغرافي وإلى أوجها الحضاري، وقامت الدولة المرينية على مشروعين، تجديد النخب العسكرية والسياسية بعد أن أنفقت الحوادث طاقات الموحدين، وإعادة المطابقة بين ثوابت الدولة وثوابت المجتمع في مجال العقيدة مع الاستمرار في تنمية الحضارة ولاسيما في مجال التعليم، أما الدولة الوطاسية فقد عاصرت رجحان كفة الضفة الشمالية الغربية للبحر المتوسط في كل المجالات، وواجهت الآثار السلبية للتوسع الأوروبي في بداية العصر الحديث. وأمام تفكك العصبيات الكبرى بفعل انتشار التجارة، كان الحل السياسي الممكن هو إرجاع الشرفاء إلى دفة الحكم، وقد قام السعديون بمرحلة أولى من مشروع الوحدة والتحرير، ومع توقف الدينامية السعدية بوفاة أحمد المنصور، عاد التفكك إلى أوصال البلاد، فاستدعت الضرورة قيام أسرة أخرى من الشرفاء، هي الدولة العلوية الشريفة التي كان عليها مواصلة مشروع التحرير والوحدة، وإعادة ترتيب مقومات كيان جيو سياسي جديد، هذا الكيان الذي تمخض عن ملامح المغرب المنصهر في بوتقة القرون الأربعة الأخيرة.
لاغرو أن بيعة أي ملك من الملوك في إطار هذه السيرورة التاريخية، كان يحتم عليه أن يقوم، في إطار رسالة دولته وإكراهات وقته، بجزء من المشروع الكلي، فلم يكن المغرب حسب وقائع التاريخ، ولاسيما مشاغله الخارجية الضاغطة التي لم تنقطع في يوم من الأيام، لم يكن أرضاً للدعة وللراحة السياسية واستمراء ثمرات الملك، بل كان القابض فيه على الحكم كالقابض على الجمر، بين هموم ثغر مستهدف على الدوام، وبين ثقل أمانة بيعة شعب طيب لا يضام.
مولاي أمير المومنين،
تتوفر إدارة الوثائق الملكية على رصيد من نصوص بيعات سلاطين الدولة العلوية يقارب المائة بيعة، صدر بعضها عن أهل المدن الحواضر، وصدر بعضها الآخر عن قبائل مختلف جهات السهول والجبال والصحراء، وصدر نوع ثالث عن فئات اجتماعية خاصة، كالشرفاء والعلماء وأهل الزوايا وقواد الجيوش.
إذا نظر الباحث في هذه الوثائق وجدها صنفا مهيكلا كوثيقة تعاقد سياسي، فهي من إنشاء كبار العلماء، لغتها بديعية وصيغتها احتفالية، ولكنها مع كل ذلك صارمة في النص على ما يقوم به مثل هذا العقد من الأركان. ومن ثمة فهي تشتمل على المكونات العشرة الآتية:
1. الديباجة، وفيها يشار بتعابير متنوعة إلى الخلافة باعتبارها تجليا لإرادة الله في صيانة مصالح العباد وحفظ سننه من أنواع الفساد.
2. مرجعية تأسيس البيعة، ويستشهد فيها عادة بالآيات القرآنية الحاضة على الطاعة وبالأحاديث الشريفة ذات الصلة بالموضوع، مع ذكر تفرع البيعة من أصل الخلافة التاريخية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
3. المقاصد الشرعية، حيث يتم التذكير بوجوب نصب الإمام لإقامة الحدود وإجراء الأحكام ليحصل الاجتماع والائتلاف والالتزام، علماً بأن الإمامة هي إمامة وحي، وهي النبوة، وإمامة وراثة، وهي العلم، وإمامة عبادة، وهي الصلاة، وإمامة مصلحة، وهي الخلافة، أي الحكم.
4. السياق الخاص للبيعة، وهو في الغالب بلوغ نعي السلطان المتوفى، وضرورة اختيار سلطان جديد في شخص الذي له العهد من سابقه، وقد يكون المبايع الجديد هو طالب البيعة برسائل توجه إلى أطراف بعيدة، وقد يكون العمال هم الساهرون على تنظيم عقدها.
5. صفات المبايع، وتذكر على شكل تجليات تنسب له أوصاف شخصية مثلى.
6. الجهة التي تقدم البيعة، وتذكر على هذا الترتيب: الشرفاء ثم العلماء ثم الصدور ثم الأعيان، ثم أهل الحل والعقد ثم الرماة ثم العساكر ثم القضاة، ثم المرابطون، ثم الصلحاء، ثم الخاصة والعامة، وقد استعمل الذين حرروا البيعة الفاسية للسلطان مولاي عبد الحفيظ عبارة جاء فيها :” أمضاها الكل الجميعي والمجموعي”، يقصدون بها الذين لهم تمثيلية ما، والذين لا يمثلون سوى أنفسهم. وقد ورد في أسماء بعض المبايعين من أعيان القبائل ورؤسائهم أنهم يتحملون عن أنفسهم و عن إخوانهم، أي محكوميهم.
7. التصريح والإقرار بالبيعة، ويأتي بعبارات مثل: “بيعةً صحيحةً قرت بها ظواهرهم وبواطنهم، أعطوا بها مع الإفصاح بالكلام صفقة أيديهم”، أو “بيعةً مطلقةً لا ضغط فيها ولا إكراه”. ومن الطريف في هذا الباب أن قبيلة بني مجيلد وزيان في بيعاتهم المولى عبد الرحمان بن هشام ذكروا، أن أيت مجيلد تركوا سلهامين بضريح المولى إدريس، وترك أيت سقوقو من زيان سلهاماً واحدا بنفس الضريح، تأكيدا لهذا الأمر (أمر البيعة) حضوراً وإشهاداً.
8. الشروط التي تنعقد عليها البيعة، وهي التي يلتزم بها السلطان، وترد بهذه الصيغ: “حفظ رسوم مصالح الدنيا والدين” أو “على ما اقتضاه الشرع والعقل والنقل” أو “القيام على كليات الدين”، ويتردد في كثير من نصوص البيعات كلمة شرط العدل، جامعة لتلك الكليات مع التنصيص على وجوب رفع المظالم ودفع الفتن. ووردت في بعض البيعات شروط إضافية، كما في بيعة أهل الغرب والقصر الكبير للسلطان مولاي الحسن، حيث طالبوه، زيادة على ما ذكر، بأن يشاور أهل العصر من ذوي الحنكة والتجريب، ويرد الأحكام إلى العلماء والأتقياء، أو الشروط الخاصة الواردة في بيعة أهل مكناس للسلطان مولاي عبد الرحمان وفيها اشترطوا ألا يلزمهم بالحركة في فصل الحرث وأيام المصيف، كما اشترطت بيعة حوز مراكش لنفس السلطان أن يختار للمناصب الدينية من يقوم بقواعدها، وأن لا يمكن النصارى من الزرع والصوف والزيت على سبيل التصدير، وأن لا ينقل مال الحوز إلى غيره من الجهات، وألا يمنع مسلمي التجار من السفر في البحار. غير أن البيعة الفاسية لمولاي عبد الحفيظ هي التي تميزت بشروطها الإضافية الخاصة حتى عدها المحللون السياسيون من بوادر الفكر الدستوري في المغرب الحديث.
أما الشرط الذي على المبايعين فهو الطاعة وتأتي مقيدة في مثل هذه العبارات: “بايعناه على طاعة الله ورسوله” أو “بايعناه على كل ما بويع به الخلفاء الراشدون” أو “بايعناه على السمع والطاعة في المنشط والمكره” أو “بايعناه على الطاعة حسب الاستطاعة”.
9. الدعاء، وهو قمة النَّفَس الروحي في هذا التعاقد، وتعبير أسمى عن الرضا، واستدعاء لمعونة السماء وتجديد أمل في العهد الجديد باليُمن والرخاء، يقدره من يقدر بالأمس واليوم علاقة سياسة الأبدان بسياسة النفوس.
10. الإشهاد على البيعة، ويُمضيه من حضر من القضاة والعدول، ويتلو ذلك إشهار البيعة بتلاوتها فوق منابر المساجد، وقد يتم تعليق بعضها على جدران بعض المساجد والمزارات.
ورُب قائلٍ يتساءل: أي ضمانات لالتزام المبايع بشروطه؟ إن الجواب يتأتى باستعراض بعض وقائع التاريخ التي لها علاقة بالممارسة الفعلية للحكم في سياق البيعة بالمغرب.
ومما يعين على الجواب فحص اسم مؤسسة الحكم المنبثقة عن البيعة وهي المخزن، فلربما استعمل اليوم في بعض الكتابات بمضمون قدحي يسم طبيعته بالتحجر والطغيان.
يُذكر أن هذا الاسم كان يطلق عند الأغالبة على المكان الذي تجمع فيه الجبايات قبل إرسالها إلى بغداد. غير أننا نرجح أن يكون لفظ المخزن ترجمة لمؤسسة محلية هي أكادير أو الحصن الذي تتخذه القبيلة لخزن أقواتها وإيداع وثائقها، تقيم عليه حراسة وتضع للتعامل المتعلق به قانوناً يُكتب على ألواح الخشب أو غير ذلك، فيكون مدخلَ الجماعة إلى تنظيم شأنها العام الذي يرتبط بالأمن في منطلقه. ولما اكتشف الأهالي التنظيمات التي جاءت بها الدولة المركزية مع دخول الإسلام، أسقطوا عليها فكرة مؤسستهم المحلية. فالمخزن على هذا الأساس ذو أصل عريق نبيل باعتباره نابعا من تنظيم جماعي مبني على البر والتقوى.
أما من حيث طبيعة حكم المخزن وروحه، فإنه لو درس بعلم لبرز في سياقه التاريخي وإكراهاته كنظام ذي وجه إنساني في باب المعروف، ونكتفي في هذا الصدد بذكر الملامح الإثنى عشرة الآتية:
1) صفة التفويض، تفويض الأمة للسلطان بحكم البيعة، وتفويض السلطان لعدد من سلطاته لمنفذيها، مع متابعة أدائهم بالوسائل الممكنة؛
2) صفة التفاوض، وذلك في التعامل مع الأطراف التي تنتفض تظلما سواء في المدن أو البوادي، ومن ذلك تزكية العمال أو القضاة الذين تقترحهم القبائل من أبنائها، أو التفاوض على مقادير من الجبايات؛
3) التحكيم في المنازعات، وقد درس المؤرخ جرمان عياش حالات من تحكيم المخزن في القرن التاسع عشر أهمت على الخصوص الصلح بين عدد من القبائل، وخلص إلى القول بأن التحكيم من الوظائف التي تُكَذِّب ما يقوله بعض المتحاملين من أن المخزن نظام يتصف بالعنف والعتاقة، والحقيقة أن نجاحه، أي نجاح المخزن، في التحكيم يستند إلى مبدإ الطاعة وإلى الطابع المبجل لسلطة السلطان؛
4) مراعاة الأعراف الضامنة لأنواع المعروف، ونجد التعبير عنها في الوثائق بما يأتي: “السنن المرعي”، أو بعبارة “إجراء العادة وعدم خرقها” وكل ذلك ينبه به العمال للحد من سلطتهم، كما لو أن العادة دستور محلي غير مكتوب؛
5) الأخذ بالعفو، ولاسيما في الحالات المتابعة القصوى التي يراعى الحُرم في الفضاءات المخصصة له، وكذا الإبقاء على الأعراف المحلية التي تنتظم بها بعض القبائل أو بعض الطوائف في المدن أو في حياة بعض القبائل؛
6) إسدال التوقير والاحترام رعيا للخدمة أو العلم أو النسب الشريف؛
7) تعهد العلاقة الروحية مع الأمة، لاسيما عبر العلماء وشبكة الزوايا؛
8) صيانة نظم الدولة وتراتيبها الإدارية كما في كتاب “العز والصولة في معالم نظم الدولة” للشريف المولى عبد الرحمن بن زيدان.
9) الرجوع إلى المشاورين والنصحاء، حيث إن النصيحة شرط البيعة، ومن أشهر هذه المناصحات العمومية المبذولة للسلاطين، الرسالة المعروفة لأبي علي اليوسي إلى السلطان المولى إسماعيل ورسالة الشيخ المختار بن محمد بن المختار الكُنتي إلى السلطان مولاي عبد الرحمان بن هشام.
10) طلب الفتوى للعلماء في ما يُهم كبريات القضايا مثل الاستفتاء في شأن جواز أخذ ضرائب إضافية عدا الزكاة والأعشار، ومثل حكم تصدير بعض المواد الفلاحية في ظروف معينة؛
11) إسقاط الحُجاب والوسطاء، وذلك بالظهور للناس والتجول في البلدان وتعديد العواصم ولقاء الناس العاديين والاستماع إليهم، ووفودهم على السلطان في مقره والحظوة باستقباله، ومن الشواهد الطوبوغرافية على ظاهرة القرب هذه وجود ساحة مشور بجانب كل قصر سلطاني، تجري فيها ترتيبات الاستقبال قبل كل شيء.
12) وجود رأي عام يحسب له حسابه، يعبر عن نظرته إلى ما يجري في الوقت، يحب السلاطين الإصغاء إليه، وتوجد لدينا منه شواهد أدبية ولاسيما في الشعر الملحون.
لقد استعمل المخزن المنبثق من البيعة هذه الآليات وغيرها وهو حريص على الوفاء بالتزاماته ورعاية حسن صورته والاقتصاد ما أمكن في استعمال الإكراه واللجوء إلى العنف لأداء مهمته.
مولاي أمير المومنين،
إن ماضي المغرب ممتد في حاضره، والبيعة في استمراريتها التاريخية لم تنقطع حتى في عهد الاستعمار، ولو لم تكن نابعة من إصرار الشعب لانقطعت، لأن السلطان قد جُرد في هذا العهد الاستعماري من كل الوسائل التي يمكن استعمالها في أي نوع من أنواع الإكراه، ولأن الاستعمار راهن على إبطال مظهر تفويض الشعب السلطة للملك بواسطة البيعة واستبد هو بالتفويض في ممارسة السلطة في الميدان، وقد عبر الأستاذ الحقوقي محمد الحبابي عن هذا المخطط بقوله: “حاول الاستعمار الحفاظ على البيعة كمجرد مظهر فولكلوري.”
مولاي أمير المومنين،
إن أي مقارنة أكاديمية بين البيعة والدستور تستدعي التمهيد لها بالتوضيحات التالية:
1) أن العقد الاجتماعي الذي تمخضت عنه الحركة الدستورية في الدول الغربية له أصول ومقابلات ممكنة في شرائع الأديان. فعندما يقول جان جاك روسو: “إن في الطاعة للقوانين التي نختارها منتهى الحرية” يمكن القول على منواله: “إن في الطاعة للشرائع التي نومن بها منتهى الحرية”. لأن الشريعة في حق من يقول: “رضيت بالإسلام دينا”، سمو عن حالة الطبيعة بغريزيتها وبعزلتها.
2) إن الطاعة في البيعة تتم بخلفية الطاعة لأمر الله لا لشهوة المبايع أو تحكماته، وهي مرجعية تزيد البيعة قوة وتضفي عليها قدسية كتعاقد بين طرفين بشريين. فقد بدأت أول ما بدأت بلغة واضحة في المبادلة، وهي لغة التجار، التي يتقوى فيها الاتفاق بالتصريح بصفقة اليد رمزا للإمضاء والقطع. فإذا كان اسم البيعة من البيع الذي مجاله القانون الخاص، فإن سياقها السياسي ينقلها إلى مجال القانون العام، فالبيعة تتوفر بامتياز على المكونين الأساسيين اللذين يجعلان منها فعلا تعاقديا بامتياز، وهما موضوع التعاقد المسمى Negocium ووثيقة التعاقد المسماة Instrumentum التي يمكن أن يحتج بها في حالة النزاع.
3) أما صفة الحاكم بمقتضى البيعة مقارنة بأشكال الحكم في التاريخ الغربي، فتُفهم إذا علمنا أن الطابع السائد على الملكية في أوروبا إلى بداية العصر الحديث هو ما يعرف بRegimen حيث كانت الكنيسة ترى أن لها الحق في قيادة الأرواح ويبقى للملك قيادة الأبدان، ساد الاعتقاد في هذا التوزيع إلى أن دشنت الميكيافيلية عهدا اعتبر فيه الحكم فنا تغذيه ضروب التحسب والمكر والممارسات المعقدة والدسائس المتسترة أو ما يسمىArcana imperii أو les arcanes، وذلك في عهود الملكية المطلقة، وكل الثورات التي قامت على الحكم المطلق استهدفت من بين ما استهدفت هذا الطابع التستري، وبالتالي جاءت الشفافية مطلبا أساسيا للديمقراطية. إن المسلمين الذين وقع غمط إسهامهم في بناء الحكم على الحق والقانون كما وقع غمط إسهامهم في تاريخ العلوم والحضارة بصفة عامة، كانوا أول من عرف مصطلح الدهاء واستعمال الحجاب بحكم اتصالهم بالحضارة الفارسية، ولكنهم نفروا من ذلك إلا في عهود الانحطاط. أما في المغرب فيمكن القول إن الملك يجمع بين الطبيعة الروحية الأخلاقية، في إطار ما يشبه ريجمين Regimen، وبين الطبيعة التدبيرية في إطار ما يماثل ريكنوم Regnum. ولا يمكن أن يقال إن رعاية هداية الناس في الجانب الديني هو الذي ينطبق على لقب أمير المؤمنين، لأن أمير المؤمنين كما رأينا يجمع بين شؤون الدنيا والدين منذ عهد عمر بن الخطاب.
4) أما المسألة الأساسية الأخرى الوازنة في هذه المقارنة، فتتعلق بفصل السلط، ويمكن أن يقال إنها كانت مبدأ مفروغاً منه ومطلباً و هاجساً حاضراً في الأذهان. وتجدر الإشارة هنا لضيق الوقت إلى فتوى كتبها أحمد بن خالد الناصري في القرن التاسع عشر، فقد ورد عليه “الاستفتاء في موضوع التمييز والفرق بين خِطة القضاء وخِطة الولاية وخِطة الحسبة”، وفي الجواب بيَّن أن خِطة القضاء في الصدر الأول يرجع إليها في الجليل والحقير بلا تحديد، ثم قال: “أما خطة الولاية فموضوعها في عرفنا وقطرنا اليوم الجرائم والجنايات وما يتبعها، فالوالي عندنا اليوم نائب عن الإمام فيردع الظالم وينصر المظلوم، وقد وُسع له في هذه السياسات.”
هذا فيما يتعلق بالبيعة، أما الدستور فاللفظ من أصل فارسي، ومعناه الأصلي الشخص الذي يمارس سلطة سياسية أو دينية، وقد ورد في كتاب كليلة ودمنة بمعنى مستشار، ثم صار لقبا لكبير الوزراء في الإمبراطورية العثمانية، ثم أطلق على قواعد نظام أصحاب الحرف، واقتبسته اللغة العربية في معاني عدة، آخرها ترجمة ما يعرف بالغرب بConstitution ولا يعرف بهذا المعنى خارج البلاد العربية. أما المؤسسة التي يترجمها وهي Constitution فقد عرفها سكوت كوردنScott Gordon بأنها “مجموعة من المبادئ الأساسية أو القواعد المعمول بها والتي تضعها دولة أو منظمة، كتابةً أو شفوياً لِتُدَبِّرَ بمقتضاها شؤونها. يعرف الدستور بذلك الكيان إن كان دولة أو غيرها ويتناول المبادئ التي يقوم عليه، مثل مسطرة وضع القانون، والجهات التي تضعه، وينص على الحقوق الأساسية التي لا يجوز خرقها”. انتهى المقتبس من تعريف كوردن. والدساتير كما هو معلوم تختلف من حيث القصر والطول فنجد دستور الولايات المتحدة مثلا لا يتعدى سبع مواد وسبعا وعشرينا إضافة، بينما نجد دستور الهند يتألف من أربعمائة وأربع وأربعين مادة وأربع وتسعين إضافة.
غير أن أهم ما يجمع بين البيعة والدستور هو المضمون المتمثل في تنصيص البيعة على المبادئ الأساسية الخمسة المعروفة بالكليات، وهي إجمالاً حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ المال وحفظ العرض.
ويمكن اعتبار عدد آخر من الكليات أو المبادئ إضافة لها بحكم الترابط. وكما أن تفصيل المبادئ الواردة في أي دستور هو موضوع عدد من النصوص المحال عليها أو على مواضيعها، كذلك البيعة توجد مبادؤها مفصلة في أبواب الفقه، حسب المذاهب والاجتهادات التي لم تنقطع في يوم من الأيام.
ونشير باختصار شديد إلى بعض ما تعنيه هذه المبادئ في ما يلي:
1) حفظ الدين، ويشمل حفظ الملة في الجانب المذهبي وفي العلاقة بالأديان الأخرى، ويشمل استمداد المرجعية من الدين، ويشمل حمايته من الغلو والتحريف والانتحال، بالإضافة إلى تيسير ما تقوم به العبادة وتزكو به مكارم الدين؛
2) حفظ النفس، ويشمل أمن الحياة والأرواح والأبدان للأفراد والجماعات لكل المتساكنين، بقطع النظر عن معتقداتهم؛ ثم إن مما تحفظ به النفوس بالإضافة إلى أمنها، تعهدها بالاسترواح المباح، لأن النفوس كما قال صاحب طوق الحمامة تصدأ كما يصدأ الحديد، ومجتمع المؤمنين لا يجوز أن تطاله الكآبة الجماعية.
3) حفظ العقل، لأنه الوسيلة الطبيعية للعلم والمعرفة المبني عليهما الوجود الإنساني الكريم، وحفظه يكون بما تحفظ به صحته ويتأتى به شحذه وحمايته من التحجر، ومنه النقاش والحوار وحرية الاختلاف وما يؤهله (أي العقل) لاستغلاله في أسباب النفع والخير، وهو التعليم والتثقيف؛
4) حفظ المال، والمال يعني هنا جميع الممتلكات المنقولة وغير المنقولة،ويعني الملكية كمفهوم، و المال يحفظ بتنميته، وبالاقتصاد في صرفه، وبوضعه في مواضعه، وعدم احتكاره من الأغنياء، وقد كان التصرف في المال مثار الخلاف قي الفتنة الأولى بين المسلمين،واشتهر الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري برفع شعار “المال مال الله”.
5) حفظ العرض، ويعني شرف الفرد وشرف الجماعة، يجب ستره وصونه وعدم هتكه، وتدخل فيه الهوية والانتماء والشعور بالاستقلالية، والتحرر وصفات الكرم وحماية الضعفاء، والوفاء بالعهد، وعدم هتك حرمة المنزل، وقد ارتبط في الأذهان قبل أي شيء آخر بحفظ شرف النساء من الاغتصاب. كانت للعرض كل هذه الدلالات في الجاهلية، فأدمج معظمها الإسلام مما لا يتيح المجال لسلوك التفاخر بالأحساب والأنساب وارتكاب الثأر والتعصب. ونرى أن هذا المبدأ، مبدأ حماية العرض، يلتقى مع كرامة الإنسان بجوانبها المادية وجوانبها المعنوية. وقد قال الباحث نايف الردهان في كتابه “التاريخ المستدام وكرامة الإنسان” (Sustainable History and the Dignity of Man) إن التاريخ الذي قال عنه فوكوياما إنه قد انتهى، ستتجدد ديناميته في إطار مطالبة الإنسان في المستقبل بمزيد من حفظ عرضه وكرامته.
وبعد استعراض هذه المبادئ نشير إلى إن للإسلام منظومته الخاصة التي تتميز بأمرين: أولهما أن الله طرف في الحقوق بمعنىً أقوى من مفهوم الحق العام، وثانيهما أن الحقوق تشمل حقوق النفس على صاحبها، بقدر ما تشمل حقوق الآدمي على غيره من الآدميين.
وبعد هذه التمهيدات يتأتى القول بأن من يُهمه النظر المقارن يستطيع أن يسبر في فصول دستور 2011 أين تلتقي هذه الفصول في الغايات، مع المبادئ التي نصت عليها البيعات، فيجدها تكاد تكون متطابقة، وعند الشاطبي في الموافقات كلام نفيس في علاقة الكليات بالجزئيات، بمعنى أن ما هو منصوص مجملاً في البيعة لا يقوم إلا بالجزئيات الموجودة في الأحكام الفقهية المستنبطة من الكتاب والسنة.
ثم إن الضمانة المؤسساتية لتطبيق مبادئ البيعة كانت هي شخص الملك، ويبقى الأمر كذلك بالنسبة للدستور حسب الفهم العام للشعب، إلا أن ما تيسر من الاجتهاد الكوني الحديث في ابتكار آليات سياسية للمراقبة والتنفيذ يعد من النعم الكبرى على الناس لأنها تسير في الاجتهاد المقاصدي العظيم القدر والفائدة.
لكن تطبيق العدل انطلاقاً من البيعة في مسارها التاريخي وقف عند حدود الوسائل في العصور الماضية، وقد سبق لابن خلدون أن نبه على أن حضور الدولة أقوى في المركز منه في الأطراف، وبهذا الصدد فإن ما نسب إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أنه قال “لو ماتت شاة على شط الفرات ضائعة لظننت الله تعالى سائلي عنها يوم القيامة” هو ضرب من الاعتراف بسهره وحدبه، رضي الله عنه، على إقرار الإنصاف وتبليغ الحقوق لأصحابها، وإلا فأين له، رضي الله عنه، من الوسائل في غياب جيش نظامي وشرطة وجهاز درك ووسائل تواصل، فجل انشغال الدول في الماضي أن تهتم بالعدو الخارجي وبالفرق الانقلابية العقدية التي كانت تهددها من الداخل، فتكنولوجيا السلطة كما يسميها ميشيل فوكو، إنما بدأت مع الدولة الحديثة، وإن كان حكم هذه الدولة الحديثة قد شابه ما يسمى بمنطق الدولة La Raison d’Etat في ممارسة قد لا تراعي الأخلاق في كل الحالات.
ومن رحمة الله بالإنسان أيضا اكتشاف هذا النمط الدستوري الذي تتميز صياغته باستعمال لغة بعيدة عن النص المقدس، فهذه اللغة التي يمكن أن نسميها باللغة المشتركة، مثلها مثل لغة الاجتهادات الفقهية التي تتميز بدقتها وفي نفس الوقت تقبل الخلاف.
فالدستور المبني على هذه اللغة هو بمثابة الكلمة السواء التي تجتمع حولها جميع الأطراف. لكن جوهر الملاءمة مع البيعة بالنسبة لبلدنا يكمن في التزامكم يا مولاي بفتح اجتهاد واسع لا يحلل فيه الحرام ولا يحرم فيه الحلال، كما جاء في خطاب تقديمكم للمدونة إلى البرلمان. فلغة الدستور تحاذي نصوص أحكام الدين، ولكن فرص تأويلها محدودة، وإذا كان فيها من تأويل فهو تقني أكثر مما هو عاطفي، وقابل للحل من منطق النص وسياقه. فأي دستور في بلد علماني لابد أن يتضمن مقتضيات تحمي الأنفس والعقول والأموال والأعراض، ويبقى الغائب عنه هو حماية الدين، لأن الدين هو الغائب المأسوف عنه في الديمقراطية في البلدان العلمانية، وقد بين العواقب السلبية لذلك الغياب غير واحد من المختصين المعنيين بمصير الديمقراطية، مثل ما فعلت الباحثة Agnès Antoine في كتابها حول المواطنة والدين عند طوكفيل بعنوان L’impensé de la démocratie أي “ما لم يفكر فيه في الديمقراطية”. وعليه، فالنص على حماية الدين في الدستور المغربي يجعله متضمنا للبيعة دون أن يتجاوزها، لأنها بقدر ما تدور على الشروط تدور على الشخص، شخص أمير المؤمنين المبايع الذي تلتقي حوله طاعتان، الطاعة المأمور بها شرعاً على شروطها، والطاعة للدولة في إطار إكراهات العقد الاجتماعي داخل نظام نابع من تاريخ وطني مشترك. ففي إطار الطاعة الأولى، يقع التأكيد على شرعية إمارة المؤمنين وتجديدها بقوة، وذلك يوميا بالدعاء للسلطان دبر كل صلاة، وبالدعاء باسمه مرة في الأسبوع في خطبة الجمعة، فخطبة الجمعة من دعائم استمرار البيعة والتعلق الشرعي بها. غير أن إمارة المؤمنين المنبثقة شرعا من البيعة لها بعد تعاقدي آخر يتجلى في الرعاية الروحية للمؤمنين، ويبرز هذا الجانب من خلال مخاطبة الملك للناس بعبارة “رعايانا الأوفياء”، فأمير المؤمنين في المغرب حاكم وراعٍ، وتصاحب هذا الجانب الروحي الزمني رسوم وشارات لا علاقة لها بالخنوع للسلاطين الطغاة المستبدين في الحضارات القديمة، وإنما هي من قبيل التقرب التلقائي والشكر العاطفي والتعبير عن الولاء، وبهذا الصدد نجد عند القرافي كلاما في الفرق بين تحريم السجود للصنم المظنون تأليهه، وبين السجود للوالدين والأولياء والصلحاء تعظيما وتذللا، و أنه ليس بكفر ولا يمنع إلا لسد الذريعة.
مولاي أمير المومنين،
إن إدماج حماية الدين في الدستور إغناء له وملاءمة، وإتاحة جديدة وفعالة لتطبيق البيعة بشكل لم يسبق له مثيل، لأن ما سيتحقق بالدستور من إصلاح الدنيا في جانب العدل والتنمية والحقوق، سينعكس إيجابا على الدين بحسن فهمه، والانقياد له، والاستفادة من وازعه. ذلك لأنه لا قيام للدين إلا بإصلاح الدنيا، لأن الدنيا هي التي فتنت الناس عن الدين في كل العصور، والخلاف إنما هو في الدنيا وإن كان يظهر أنه في الدين، غير أن الإمام الغزالي يميز بين نوعين من الدنيا، الدنيا التي تفتن عن الدين، وهي بلغة عصرنا دنيا التبذير والاستهلاك بلا ضوابط، والدنيا التي تعين على الدين، وهي دنيا تعميم الحاجيات الأساسية وتجنب التبذير.
مولاي أمير المومنين
يتأتى ختاما وبناء على عناصر البحث التي استعرضناها أن نشير إلى أمور ثلاثة مكملة للحديث:
أولها أن القاموس الإسلامي يتضمن مصطلحا شعوريا لا ينبغي خلطه بمصطلح التقديس في التاريخ السياسي الغربي، وهو مصطلح الحرمة في قوله تعالى: “ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه”، و في أعلى سلم الحرمات حرمة الإنسان، وتتفاوت بقدر موقع الشخص من خدمة الناس.
ثانيها وجوب الالتفات في التشخيص السياسي إلى إشكالية العلاقة بين الوقائع والحقائق، بين المؤسسة والشخص، فإمارة المؤمنين التي تقوم عليها البيعة مؤسسة بالمعنى الحديث، و المبايع الذي هو شخص الملك، ليس في عين المبايعين طرفا رمزيا أو افتراضيا، لأن من ألفوا في الإمامة من علماء الإسلام كالإيجي والباقلاني والبغدادي والماوردئ قالوا إن المبايع يتحمل مسؤولية البيعة بشروطها، أي أنه يظل مسؤولا عن نتائج تفويضاته.
وثالث هذه الأمور أن الدين بشموليته جوهري، لأنه يعطي المعنى للحياة، لكن انخراطكم يا مولاي في الإصلاحات الدنيوية بكل أعماقها هيأ للدستور الجديد المجال لخلق دينامية خصيبة بين مقتضياته والحفاظ على أمانة البيعة في غير تفاوت ولا تزاحم ولا تنازع، وهو لعمري النهج الذي سيمكن المملكة من الدخول في مرحلة جديدة من بناء شخصيتها المنسجمة مع إيمانها وضميرها وحياتها، بفضل استثمار المشروعيات التي تراكمت في شخصكم كما يراها المؤمنون، مشروعية النسب، ومشروعية التاريخ، ومشروعية النضال، ومشروعية الانخراط الحصيف في الأسلوب العصري لتحقيق والحقوق والسعي إلى مزيد من المكرمات.
والختم من مولانا أمير المؤمنين
