Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
Uncategorized

النبوغ المغربي بأعين العلامة عبد الله كنون

وصف الراحل سعيد حجي كتاب “النبوغ المغربي في الأدب العربي” كما جاء في جريدة “المغرب” بقوله: “حادث خطير في تاريخ المغرب، ظهور، كتاب النبوغ المغربي في الأدب العربي، أول كتاب من نوعه، وأوفاه في موضوعه”، حتى أنه ألقى محاضرة بأحد النوادي الثقافية بمدينة سلا، وجاءت تحت عنوان “خطوة عظيمة في تاريخ الفكر المغربي” نشرها في العدد الثامن وما بعده من الملحق الثقافي لجريدة المغرب؟

لمعرفة أسباب ودواعي تأليف “النبوغ المغربي” وحيثياته الأهم، كان هذا الحوار »التركيبي « مع مؤلفه، الراحل عبد الله كنون الحسني.

بداية، كيف جاءت فكرة تأليف هذا الكتاب؟
في الواقع لم أكن أهدف به إلى تمييز أدب المغرب بميزة ليست في الأدب العربي العام، ولا إلى تخصيصه ببحث مستقل يجعله في نظر المغاربة أو غيرهم كتابا خاصا بأدب قطر من أقطار العروبة على حدته، وإنما كان مقصودي الأهم من تأليفه، هو بيان اللبنة التي وضعها المغرب في صرح الأدب العربي الذي تعاونت على بنائه أقطار العروبة كلها، وذكر الأدباء المغاربة الذين لم يقصروا عن إخواﻧﻬم من المشارقة ومغاربة بقية أقطار المغرب العربي في العمل على ازدهار الأدبيات العربية على العموم.
ولكن، هل ثمة أسباب ذاتية زيادة على هذه المعطيات الموضوعية التي تتحدثون عنها؟
لقد رأيت منذ نشأتي الأولى إهمال هذا الجزء من بلاد العروبة في كتب الأدب وكتب تاريخ الأدب، حتى أننا نقرأ عن تونس والجزائر والقيروان وتلمسان وقرطبة وإشبيلية، ولا نقرأ قط فاس ومراكش! وظننت أولا أن ليس لبلادي في هذا المجال مشاركة، وإنما حسبها ميادين البطولة والجهاد والفتح، ولذلك لا يسع المؤرخين وكتاب التراجم إلا أن ينوهوا بشخصيات يوسف بن تاشفين وعبد المؤمن بن علي ويعقوب المنصور وأبي الحسن المريني وأضراﺑﻬم من أبطال المعارك وأرباب الحكم والسلطان، في حين أﻧﻬم لا يعيرون اهتماما لرجال العلم والأدب، ولا يعرجون على ما كان لهذا الوطن من تميز في عالم الفكر وميدان العرفان. القصد أنني لما بحثت وجدت كنوزا عظيمة من أدب لا يقصر في مادته عن أدب أي قطر من الأقطار الأخرى، وشخصيات علمية وأدبية لها في الإنتاج والتفكير مقام رفيع، لولا أن الإهمال عفى على ذلك كله.
كتاب مرجعي من طينة “النبوغ المغربي في الأدب العربي”، لا يمكن إلا أن يصاحب بطرائف ونوادر وعوائق.. ما هي أهم الطرائف التي صاحبت تأليفه؟
أستحضر هنا موافقة عجيبة أن أعلن في مصر عن جائزة للدولة قدرها آنذاك ٥٠٠ جنيه، خصصت لمن يؤلف عن الأدب العربي في القطر المصري، من الفتح الإسلامي إلى العصر الحاضر، حيث كتب الأستاذ حجي معلقا على هذا النبأ ما يلي: “من حسن الصدف أن ﺗﻬتم وزارة معارف مصر بوضع جوائز عن الأدب المصري في الماضي، في نفس الأسبوع الذي يصدر فيه كتاب مغربي عن الأدب المغربي في ذلك الماضي، فيكون المغرب أسبق إلى تلك المفخرة من كل الأمم الناطقة بالضاد ولكن يجب أن نتساءل ماذا ينال مؤلفنا من تقدير إدارة العلوم والمعارف، وما يستحقه من تشجيع من جمهور المثقفين، فنحن ﻧﻬيب بتلك الإدارة إلى الاهتمام ﺑﻬذا المؤلف الحافل، ونرجو أن تشتري منه بضع مئات من النسخ تقديرا لمجهودات مؤلفه الثمينة”.
أين الطرافة في هذه القصاصة؟
تأتي الطرافة من أن الجواب على هذا النداء النبيل جاء في صيغة صدور قرار عسكري بمنع رواج الكتاب، ومعاقبة من تضبط عنده نسخة منه! وإذا كان لهذا القرار دلالة فهي تأكيده لكون الكتاب عملا وطنيا فوق كونه عملا أدبيا ولذلك استحق أن يحظى من الاستعمار الفرنسي ﺑﻬذا الجزاء الظالم، وكان أن ثارت ثائرة الصحف الوطنية بتطوان ضد هذا التدخل العسكري الاستبدادي في شؤون الفكر والثقافة.
هل اقتصرتم فقط على أسماء مغربية أو على القطر المغربي وحسب أم عرجتم على أسماء عربية وإسلامية ذات صلة بالمنطقة المغاربية؟
الواقع أنني خصصت الجزء الأول من الكتاب للبحث والاستنتاج والثاني للآثار الأدبية. وهكذا تطرق الجزء الأول لخمسة عصور، عصر الفتوحات، وأعني به الفتوحات الأولى وتحديدا مع فتوحات المولى إدريس، وهناك أيضا عصر الموحدين وقد تطرقت فيه للمرابطين، وعصر المرينيين حيث الخوض في إبداع الوطاسيين، ثم عصر السعديين فعصر العلويين.
هل ثمة مميزات خاصة بكل عصر من العصور سالفة الذكر؟
لا يوجد خيط ناظم بين كل عصر من هذه العصور، فلكل حقبة مميزات قد تشتبه في نقاط وقد تختلف في أخرى مع عصر سابق أو لاحق. بالنسبة لعصر الفتوحات مثلا، فيمكن الجزم بأن صورة الحياة الفكرية فيه كانت قاتمة للغاية، لولا ذلك البصيص من النور الذي كان يومض خلالها أحيانا، منبعثا من مصدر الإشعاع بفاس، أعني جامع القرويين، فمن المعلوم أن هذا المسجد الذي يعد أقدم جامعة علمية في العالم الإسلامي، قد أسس في هذا العصر، وقد كان منذ إنشائه مركزا للدراسات الدينية والأدبية، التي لم تنقطع منه أبدا، وأرى أن تأسيسه كان مبدأ الارتكاز للحياة الفكرية في المغرب، ولا أدل على ذلك من أن كبار علماء المغرب الذين عرفناهم، إنما نبغوا بعد التاريخ الذي شيد فيه جامع القرويين. ولعل أهم ما سجلته عن الحياة الفكرية في هذا العصر، هو ظهور المذهب المالكي في الفقه، وسيطرته على المذهب الكوفي الذي كانت له الصولة في المغرب، وبالتالي قضاؤه على المذاهب الأخرى التي كانت منتشرة في جهات مختلفة من هذا القطر، كالمذهب الخارجي والبرغواطي والاعتزالي والشيعي.
ما تقييمكم للوضع الفكري و الأدبي أيام المرابطين ؟
أركز في هذا المقام على الحياة الفكرية في عصر المرابطين، وأعتقد أنه آن الآوان للبحث العلمي أن ينصف دولة المرابطين ويقول فيها كلمة عادلة لا تتأثر بعصبية بلدانية ولا بحمية دينية. فقد رأينا كيف كان التشيع للأندلس سببا في تشويه شخصية يوسف بن تاشفين من بعض الكتاب والأدباء حتى أدى الحال إلى تجاهل عمله العظيم في إنقاذ ذلك القطر العزيز من المصير المؤسف الذي صار إليه فيما بعد. فمن الحق أن يقال أن المرابطين هم الذين مدوا حياة الأندلس السياسية وأبقوها فيقبضةالإسلامزهاءأربعة قرونأخرى.
يهمنا أكثر التركيز على طبيعة تعاطي المؤسسة في هذا العصر مع الأدباء والمبدعين؟
لم يكن المرابطون أقل برا بالأدب وأهله منهم بالعلم والعلماء. وليس أدل على نفي ما يتهمهم به خصومهم في مجافاة الأدب وعدم الاهتمام به، من هذه الرعاية الكريمة التي أولاها أمراؤهم لعلية الأدباء، من كتاب وشعراء، منذ اليوم الذي توطدت فيه دعائم ملكهم.
وماذا عن الوضع الثقافي في حقبة الموحدين؟
أوجز الرد على التساؤل من خلال بيت شعري جاء فيه:
ما هز عطفيه بين البيض والأسل      مثل الخليفة عبد المؤمن بن علي.
فبهذا المطلع المطرب وحده، وهذا البيت البليغ المفرد، مدح محمد بن أبي العباس السمعاني عبد المؤمن بن علي. بيت قال فيه الشاعر كل شيء. ومما لا شك فيه أن عناية الموحدين بالأدب تجسدت في نشاط ملفت للحركة الأدبية، حتى عمت البدو والحضر والعرب والبربر، حتى أخصبت الأفكار وتفتحت العقول وأتت الآداب والفنون أكلها الشهي وثمرها الجني. ويعود الفضل في ذلك كله إلى عبد المؤمن وحده الذي عرف من أين تؤكل الكتف، حيث استغل جميع عناصر الحياة التي كانت متوفرة في عهد الملوك المرابطين قبله وبعده ولم يترك من وسائل التشجيع وأسباب التنشيط شيئا إلا فعله، حيث استحدث في ذلك أساليب خاصة به، وكيفيات لم يتبع فيها أحدا.
هل هناك عوامل أخرى ساعدت عبد المؤمن على النجاح في تنشيط الحركة الفنية و الأدبية ؟
لعل ذلك راجع لما تلقفه عبد المؤمن عن أستاذه ومربيه المهدي بن تومرت من أنواع المعارف وفنون الآداب، وما جربه بنفسه من تصاريف الدهر وتقلبات الزمان، فليس ينكر أنه استفاد من ذلك كله في مدرسة الحياة، حيث درس علوم الاجتماع والنفس بأجمعها. وبكلمة، فقد كان عبد المؤمن رجلا ثقفا حاذقا متحققا بكثير من فنون العلم والأدب.
نختتم هذا السفر بواقع الحركة العلمية في العصور اللاحقة، ونتحدث تحديدا عن عصر المرينيين والسعديين والعلويين. كيف آلت الأمور؟
تأثير الانقلاب المريني على الحالة الفكرية، لم يكن ذلك التأثير القوي الذي تتبدل معه معالم الأمور وتتغير مجارى الأحوال، حيث بقيت الحركة العلمية في نشاطها وتقدمها، كما كانت في عهد الموحدين.
بالنسبة للسعديين، ونتحدث هنا عن ثاني دولة عربية صريحة قامت في المغرب بعد الأدارسة، فتكفي الإشارة إلى أن السلطان أبي العباس أحمد المنصور الذهبي كان عالما إلى درجة الاجتهاد، وإلى أن جزم علماء عصره بأنه المجدد في القرن العاشر. وكان أديبا شاعرا كاتبا سابق فحول الصناعتين من أدباء دولته، وكان سياسيا محنكا وقائدا شجاعا وإداريا منظما ومصلحا اجتماعيا كبيرا.
وأختم بحقبة العلويين أو حقبة الدولة الشريفة كما وصفتها في الكتاب، حيث لم تكن عناية هذه الدولة بنهضة الأدب ورقيه، بأقل عناية من غيرها من الدولة سالفة الذكر، وبفضل التشجيع الذي شهدناه في هذه الحقبة، نبغ كثير من الأدباء كتابا وشعراء ممن ازدان ﺑﻬم هذا العصر، وكانوا مفخرة هذا القطر، وقد يأتي في الرعيل الأول منهم الوزير اليحمدي وعلي مصباح وابن زاكور وابن الطيب العلمي صاحب الأنيس المطرب، وابن الونان ومحمد بن الطيب سكيرج والطيب بن صالح الرزيني والوزير ابن ادريس العمراوي والكنسوس بله غيرهم ممن لم يصلوا إلى مرتبتهم، فإﻧﻬم كثير لا يسعنا ذكرهم في هذه الكلمة الوجيزة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى