فرنسا تبحث هويتها

تعيش فرنسا هذه الأيام وإلى غاية 31 يناير 2010، نقاشا واسعا حول “الهوية الوطنية”، وسيكون أمام الفرنسيين الإجابة عن سؤالين محددين هما: “ماذا يعني لك أن تكون فرنسيا اليوم؟”، و”كيف ترى العلاقة بين الهجرة وبين الهوية الفرنسية؟”.
وسيفتح هذا الحوار في كل مديرية من مديريات المدن الفرنسية، وستشارك فيه كل فئات المجتمع الفرنسي من برلمانيين ومسؤولين حكوميين ومنتخبي الهيئات المحلية، والفرنسيين من أصول أجنبية، وممثلي الديانات وغيرهم..
يهدف الحوار حول الهوية بفرنسا إلى بلورة برنامج عمل “يرسخ الهوية الفرنسية” و”القيم الجمهورية” في صفوف الفرنسيين، ويعزز افتخارهم بانتمائهم للأمة الفرنسية، كما سيتوج في نهاية المطاف بعقد اجتماعات على الصعيد الوطني لتقديم ملخص له من قبل وزير الهجرة خلال لقاء من المتوقع تنظيمه خلال 4 فبراير من العام المقبل.
وأشار استطلاع للرأي، إبان هذه الحملة، إلى أن 60% من الفرنسيين يؤيدون هذا النقاش الموسع، في حين اعتبر 35% منهم أنه من غير اللائق الخوض فيه، وعن علاقة قضية المهاجرين بالهوية الوطنية، قلل 42% من أهمية استقبال المهاجرين، واعتبر 31% ذلك مهما جدا، مما يعني أن معظم المستجوبين يرون في المهاجرين خطورة على هويتهم.
وأثار الرئيس الفرنسي ساركوزي، في أول مشاركة له في هذا الحوار الوطني الواسع، مسألة النقاب، قائلا إن “فرنسا بلد لا مكان فيه للبرقع، ولا مكان فيه لاستعباد المرأة تحت أي مبرر وأي ظرف وفي كل الأحوال”.
ويرى البعض في هذا الخطاب، المتركز على إثارة مسألة الهوية الدينية، أنه تبخيسي لنقاش واسع يمكن أن يتضمن قضايا متعددة يتداخل فيها ما هو ثقافي وفكري بما هو ديني وسياسي.
لذلك لم يتردد اليسار الفرنسي في اتهام ساركوزي بالعودة مجددا إلى ملف “البرقع” بهدف اجتذاب ناخبي اليمين المتطرف قبل الانتخابات المحلية التي ستجرى في 2010.
بل إن المعارضة اليسارية، تعدت خطاب ساركوزي، لتنتقد بشدة مسألة “الحوار حول الهوية”، في حد ذاته، واصفة إياه بـالأمر”الخطير”، ومعتبرة أنه أن من الصعوبة تحديد مفهوم واضح للهوية الوطنية في بلد يعرف تدفقا كبيرا للمهاجرين.
وتحدث الحزب الاشتراكي الفرنسي عن “هدف مثير” تريد الحكومة تحقيقه، فـ”هي تريد معرفة الفرنسي الجيد من الفرنسي السيئ” حسب الناطق باسم الحزب “بونوا حامون”.
وبالنسبة للجالة المسلمة بفرنسا، التي هي بدورها معنية بهذا الحوار، فقد عبر محمد حنيش، الأمين العام لاتحاد المنظمات المسلمة، في تصريح إعلامي، عن رأيه من أن مثل “هذا الحوار له علاقة بالجدل حول البرقع، وكل القضايا التي تمس اندماج المسلمين بفرنسا، والتي من الممكن أن تزيد التركيز على الأقلية المسلمة بشكل سلبي”.
وعبرت جمعية “ليدرشيب أو فيمينان” (آميوا)، التي تترأسها الفرنسية المغربية لطيفة شَكْري، عن خشيتها من أن تشكل هذه المبادرة تراجعا” في قيم المساواة التي تقوم عليها الجمهورية الفرنسية.
في حين لا يرى، غالب بن الشيخ، رئيس المؤتمر العالمي للديانات من أجل السلام، “أي تخوف من الدخول في النقاش” شريطة “تقنينه وعدم تركه في يد أوصياء”.
وأكدت عضوة مجلس الشيوخ الفرنسي، عالمة بومدين، المغربية الأصل، أن النقاش الحقيقي ينبغي أن ينصب على “الهوية المواطنة” لا على “الهوية الوطنية” التي تعمل على إقصاء جزء من الساكنة الفرنسية، خاصة المنحدرة من الهجرة.
وينتظر المتتبعون النتائج التي يمكن أن يسفر عنها هذا النقاش، خاصة أنه ما زال لم يتخلص من برودته في الأيام الأولى، متسائلين هل هناك
معنى “الهوية الوطنية” في بلد تأسس على إلغاء الانتماء الديني والعرقي والأيديولوجي؟
