كتاب “الشًّــــفا” والقيمة الفنية للنسخة المصوَّرة

إنّ تأملنا في المرحلة والظروف التي ولد فيها القاضي عياض بسبتة منتصف شعبان 1476 هـ ( 1083 م) تجعلنا نتوقف عند بعض الأمور التي كان لها أكبر الأثر في تحديد معالم شخصيته العلمية المستقبلية:
أولا: تزامنُ ولادته مع وقعة الزلاقة الشهيرة؛ وهي الظرفية التاريخية التي سيبرز فيها اسم المغرب ويذيع صيته وينجب أعلاما من طبقة القاضي عياض. بمعنى أن الفضاء الذي كان يُؤثّث زمن عياض هو فضاء العلم والعلماء.
ثانيا: وراثته لإرث عائلي بأطواره المكانية كان
له تأثير في تكوين شخصيته الشمولية وثقافته المغربية التي نلمسها –كما يقول محمد بن شريفة – بوجه خاص في تأليفه الشهير “ترتيب المدارك”، ونعرفها كذلك من إحساس علماء إفريقيا والأندلس ﺑﻬا وإجلالهم لصاحبها.
ثالثا: صلة القربى التي تجمع عياضا بالإمام مالك، وانتساﺑﻬما معا إلى قبيلة حمير ذات الصيت الذائع في التاريخ الإسلامي. هذه العوامل مجتمعة وغيرها جعلت من القاضي عياض شخصية متميزة.
مترلة كتاب “الشفا” لدى المغاربة
خلَّف عياض تراثا علميا زاخرا. ولعل مؤلَّفه “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” يعتبر من أشهر تآليفه وأكثرها ذكرا وانتشارا، كما يقول ذلك أكثر من عالم؛ بل إن القبول الذي حظي به لم ينله تأليف مغربي آخر. وهو كتابة قمة في الإبداع، وكما يقول ابن فرحون المالكي أحد أعلام المالكية: أبدع فيه (أي في الشفا) عياض كل الإبداع. ولم يقتصر الثناء على الكتاب، الذي هو كتاب في “الشمائلالمحمدية”، علىثناء النُّخبمنالعلماء، بل إن عامة المغاربة قد عبروا بطريقتهم الخاصة عن المترلة التي يحتلها هذا التأليف المغربي في حياﺗﻬم، وذلك بأشكال مختلفة وعديدة، من بينها:
أولا: إن عامة المغاربة يقرنون بين صحيح البخاري و”الشفا” في تعظيم مكانتهما والتبرك والاستشفاء ﺑﻬما. ثانيا: أبدع المخيال الشعبي المغربي طائفة من الأمثال للتعبير عن تلكم المترلة، من بينها: لولا الشفا ما ذُكر عياض، ولولا عياض لما ذُكر المغرب!
العناية الفنية للنسخة المصوّرة من”الشفا”
قد لقيت النسخة المصورة من “الشفا” عناية كبرى من طرف النساخ والمزخرفين والمسفِّرين. وهذا يدل على تعظيم المسلمين المغاربة الكبير للرسول صلى الله عليه وسلم. ويوجد بالمغرب عدد كبير من النسخ الفاخرة من كتاب “الشفا” خاصة تلك المستنسخة في القرن الثامن عشر. كما أنه كانت للكتاب شعبية كبيرة أيضا في المشرق الإسلامي حيث وصلتنا منه العديد من النسخ المخطوطة بأياد تركية. ينتهي مخطوط “الشفا”، وهو مسجل بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية تحت رقم 636 بتختيمة ذكر فيها اسم الناسخ وتاريخ النسخ وظروف إنجاز المخطوط. ويُظهر إنجاز هذا المخطوط جزءا من التقليد المغربي في فنون الكتاب الذي عُرف بفن القرن التاسع عشر للخط والتزويق والتسفير. وفي النسخة المصورة من “الشفا”، على صفحات مكتوبة بخط فني، يخبرنا الناسخ بانتهاء النسخة ويعطي العنوان ثم يشير إلى اسمه هو: إدريس بن محمد السفار، مسبوقا بالعبارات المعتادة في إظهار التواضع مع الله عز وجل. بعد ذلك تأتي الإشارة إلى اسم صاحب المخطوط الذي أنجز الناسخ العمل من أجله وفي بيته، وهو عبد الكريم بن أبي بكر الحلو، متبوعا بعبارة “رضي الله عنه”.
يأتي بعد ذلك تاريخ النسخة، آخر شهر ذي الحجة 1285 هـ ( أواسط أبريل 1869 م).
وإن صاحب المخطوط ليس شخصية مجهولة، بل هو نفسه ناسخ ومزخرف، وله نسخة من القرآن الكريم أنجزها لاستعماله الشخصي عام .1290/1873 وتشير ماري – جنفييف جيدون (محافظة بالمكتبة الوطنية لفرنسا) إلى أنه يظهر مما ورد في التختيمة منأن النسخةكانتخاصة،لمتكنعلىالأرجح موجهة إلى البيع.. أيضا أن يكون الناسخ فنانا في التزويق، لأن الجزء الكبير من جودة النسخة راجع لهذا الفن ويكون من الصعب علينا تصور عدم ذكر اسم المزخرف إذا كان شخصا آخر غير الناسخ!
نُسِخَ المخطوط على ورق النوع الممتاز المعروف من خلال فتيلة معدنية ذات شكل سكّي مع هلال يتمثل وجها بشريا، مقرونا بعلامة AG . وأول خاصية تبرز بمجرد فتح المخطوط هي تقسيم الصفحة إلى مساحتين:
واحدة خاصة بنص القاضي عياض، والأخرى مخصصة للهوامش والتعليقات المرافقة للنص. ونجد في هذه النسخة من كتاب “الشفا” نوعين من الخطوط: أحدهما مقروء بسهولة، وهو الذي استعمل في كتابة النص الرئيس والحواشي، والآخر صعب القراءة، وخصص لكتابة العناوين والنص الختامي ولكتابة أجزاء النص التي يشملها التزويق، إضافة إلى أنواع أخرى من الخطوط. والفنانون المغاربة طوّروا نوعا خاصا ﺑﻬم من الأشكال الموجودة أيضا عند الفنانين بالمشرق. ففي الفن العثماني كثيرا ما يستعمل الخط في شكل دائري لكنه مختلف ومعمول على لوحات مُعِدّة للتزيين الهندسي أو للألبومات أكثر منه للاستعمال داخل المخطوطات.
أما ما يتعلق بالزخرفة، فإنه ابتداء من الورقات الأولى ليس هناك أي زخرفة اعتباطية؛ فكل الزخارف تصاحبُ تركيبة النص وتشكل بذلك علاماتٍ لتوجيه القارئ. من ناحية أخرى، استعمل في هذا التسفير المتميز جلد أحمر اللّون للتغليف مضاعف بجلد أخضر اللون مزين بزخارف مذهبة. ويشهد هذا المجلد على حيوية المدرسة الفنية بفاس خلال فترة غاب فيها المخطوط كأداة علمية، ولكنه استمر كنتاج فني وتعبير عن التقوى.
وزارة الأوقاف تحيِي “الشفا”
وقد قامت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب مؤخرا ( 2005 – 1425 ) بنشر المطابقة للأصل لمخطوط “الشفا” المحفوظ لدى المكتبة الوطنية للمملكة المغربية تحت رقم ج 636 . كما تفضل جلالة الملك محمد السادس فأمر بنشر هذه المطابقة للأصل. هذا ونشير إلى أن هذه المطابقة نشرت بدعم من مؤسسة صندوق الإيداع والتدبير، المملكة المغربية. وقد أُرفق مع هذه المطابقة للأصل تقديما وتعليقا جميلا ورائعا لكل من الأستاذ محمد بنشريفة، عضو أكاديمية المملكة المغربية، تحت عنوان: عياض وكتاب الشفا.. والأستاذة ماري- جنفييف جيدون، محافظة بالمكتبة الوطنية لفرنسا، تحت عنوان: القيمة الفنية للنسخة المصورة. ومع الترجمة الكاملة لهاتين المداخلتين إلى الفرنسية والإنجليزية. وقد اعتمدنا في هذا المساهمة –بشكل كلي تقريبا وبشيء من التصرف- على ما ورد في تقديم وتعليق بنشريفة وماري.
