نحتاج إلى علماء ربانيين ووطنيين يحبون الله والإنسان والإنسانية

يرى الباحث أحمد البوكيلي أن صورة العالم أو صورة الفقيه في العالم العربي والإسلامي تعددت بطبيعة مستويات تأثيرات مستويات أجنبية، مشيرا في هذا الصدد إلى ضرورة تفكيك أسباب تراجع مرجعية العالم اليوم، ويضيف البوكيلي أستاذ وباحث في شعبة الدراسات الإسلامية بالقنيطرة أن مؤسسة العلماء في الأمة مؤسسة حضارية تسمو على منطق التوظيف السياسي والحسابات السياسية، لأﻧﻬا مرتبطة بمرجعية الأمة. عن صورة الفقيه والعالم لدى الرأي العام والسلطة، وعن دور مؤسسة العلماء ومواضيع أخرى، كان لنا هذا اللقاء.
بداية، كيف تقرئون نتائج استطلاع الرأي الذي أنجزته مؤسسة “غالوب” ومحطة “البي. البي. سي”، ونتحدث تحديدا عن الدلالة الدينية لنتائج هذا العمل؟
يبدو أن القراءة العلمية للخلاصة النظرية لمثل هذه الدراسات تستلزم وضع مجموعة من المعطيات المنهجية وعلى رأس هذه المعطيات الإشارة أولا إلى أن هذه الدراسات لها من المشروعية العلمية ما يفوق منطق التأويلات الإيديولوجية، بحكم أن الأمر يتعلق بمراكز علمية لها وزﻧﻬا، وأريد أن أشير إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي القضية العلمية لرصد طبيعة صورة المثقف أو رجل الدين في المجتمع الأوروبي أو المجتمع العربي والإسلامي.
أرى بكل أسف بأن المسافة الفاصلة بين العالم العربي والعالم الغربي لم تملأ على المستوى التصوري من خلال وحدات الدراسات العليا أو من خلال مراكز البحث العلمي وليس بمنطق القراءات الإسقاطية والإيديولوجية للآخر، بحيث لم يعد الآخر كما هو، وإنما أصبح متخيلا في تصورنا وفي ثقافتنا لدرجة أننا أصبحنا نتخيل الآخر وفقا لأهوائنا الإيديولوجية ولرغباتنا السياسية.
لقد كانت قراءتنا للغرب في بداية القرنين الماضيين، قراءة إيديولوجية، بحيث تمثلناه غربا علمانيا، انطلاقا من تصورنا التقليدي للعلمانية باعتبارها فصلا للعقيدة عن الحياة، في حين أن مثل هذه الدراسات العلمية تبين أنه يجب إعادة النظر في القواعد المعرفية والمنهجية التي أسسنا عليها طبيعة تصورنا للعالم الغربي، وأعتقد بأن نتائج هذه الدراسات تبين الأهمية العلمية لضرورة اعتماد منطق المباشرة التصورية للآخر خارج منطق الوسائط المنهجية. إن هذه الدراسة العلمية تبين طبيعة التركيبة الروحية للمجتمع الغربي على أساس أن الثقافة الدينية هي مقام تصوري للحقيقة الوجودية.
تتحدثون عن مقام تصوري للحقيقة الديني في غرب أعلن يوما عن »موت الإله « ويتميز بحضور تيارات إلحادية وتيارات علمانية معتدلة أو متطرفة..
أنبه إلى أن آخر الدراسات العلمية والمنشورة في مجلات علمية رصينة مثل “علوم وحياة” وغيرها جاءت بملفات في هذا الصدد حول طبيعة التصور الديني للعالم الغربي، وقد أبرزت هذه الدراسات أن الدين أو العقيدة جزء لا يتجزأ من طبيعة النسيج الروحي للجغرافية الثقافية الأوروبية، والسؤال المطروح هنا يدور حول طبيعة فهم واستيعاب نوعية تصور المجتمع الغربي للعالم الديني. إن أصعب شيء في مجال قراءة تصورات العالم الرمزي الديني هو اعتماد منطق الشعور بامتلاك الحقيقة المطلقة. على أساس أن التدين هو جزء فطري في المجتمع.
ولكن كل ديانة تدعي وتعتقد أنها الأقرب إلى امتلاك الحقيقة الدينية المطلقة!
ما أقصده بمفهوم الحقيقة المطلقة في التجربة التدينية هو الشعور بالمطابقة الروحية للحقيقة الدينية على أساس أن معيارية الحقيقة بالنسبة إلينا في إطار الدائرة الإسلامية هي المعيارية القرآنية، وهذه الأخيرة معيارية من داخل عالم القداسة، الشيء الذي يعطيها الجوهر الحقيقي للقداسة باعتبارها متعالية عن العقل الإنساني ومتعالية عن التحريف الإنساني.
ولهذا نحن نعتقد بأن الإسلام ليس بالدين الطائفي وليس بالدين الذي يمكن أن يخضع لمنطق الخوصصة الحضارية بل هو في عمقه دين إنساني، وإنسانيته تجعله منفتحا على كل الرسائل السماوية باعتبارها كلمة الله في التاريخ، سواء اتخذت طابع المسيحية أو اليهودية أو الرسالة الخاتمة أي الإسلام.
بالعودة إلى السؤال الجوهري الخاص بنتائج هذا الاستطلاع، وهو أن حقيقة التدين تبقى حقيقة فطرية، غير أن الإشكال يكمن في طبيعة تجليات التدين، وهنا تبرز نوعية العلاقة ما بين الثقافة والتدين، على أساس أن هذه العلاقة تحيلنا إلى ضرورة اعتماد الدراسات السوسيولوجية للمجال الديني، أي قراءة الدين باعتباره فضاء روحيا للبحث عن جوهر الذات الإنسانية، ولذلك إذا أردنا أن نقوم بدراسة جغرافية للخارطة الدينية نجد أن التدين في ماليزيا يرتبط بالقيم الماليزية، وأن التدين في أمريكا يرتبط بطبيعة التصور الفلسفي الأمريكي للوجود، وهناك بعض الدراسات العلمية القيمة، وأهمها الموسوعية العلمية الهامة للأستاذ عبد الوهاب المسيري والتي تتحدث عن تحول خطير في السياسة الأمريكية باعتمادها على فلسفات تقوم على التنظير لمعركة “الهرمجدون” وتقوم على تصور ديني للوجود، وهنا تبرز جمالية العقيدة الدينية وتأتي في آن واحد خطورة العقيدة إذا لم ترتبط بالمعيارية القرآنية.
بمعنى؟
ما يهمني هنا هو الجانب الإبستمولوجي، بمعنى التساؤل عن طبيعة تمثل العقل الوضعي لحقيقة الدين، فكل مجتمع في عمقه قد ينتج حتى الخطاب العلماني، وقد تتحول العلمانية إلى عقيدة بل ويتم إضفاء طابع القداسة عليها، وهنا أستحضر الجمالية القرآنية على مستوى الفصل بين عالم الحقيقة وعالم النسبية أي الإنسان، ويقف القرآن شاهدا ليعلم العقل الإنساني ألا يمزج ما بين المقدس وما بين تمثلات المقدس، من خلال قوله تعالى “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبل الرسل”.
نحن أمام خطاب فلسفي عقائدي يدفع الإنسان ليعيشالتدينليسباعتبارهانتماءثقافياوإنما حالة من حالات هذا الانجذاب العرفاني الذي يحاول أن يطل على حركة التاريخ في بعدها اللامتناهي.
بالعودة إلى نتائج الاستطلاع، أؤكد أن المجتمع الأمريكي يبقى مجتمعا محافظا في عمقه ومجتمعا متدينا،ولذلك فصورة رجل الدين فيهذا المجتمع تمثل صورة الحقيقة، ولذلك النظام الديني في أمريكا له خصوصية لدرجة أن الكنائس مستقلة على مستوى الميزانية المالية ولها جامعات أكاديمية وفضائيات وهذا يتطلب منا ألا نتصور الدين عند الآخر من خلال طبيعة البعد السلبي للعقيدة في مجتمعاتنا باعتبارها عقائد منفصلة عن المجتمع.
إذا كانت الأمور بهذا التصور وهذه القراءة في العالم الغربي، فلنا أن نتصور صورة الفقيه أو العالم في العالم العربي والإسلامي. كيف نتفادى السقوط في الخلط بين رمزية وشعبية هذه الصورة وبين أي توظيف لها من قبل فرقاء أو أجهزة أو تيارات أو حركات؟
الصورة التي رسمت لجنازة البابا لها دلالة كبرى على مستوى موقع رجل الدين في الغرب، وأعتقد بأن المؤسسة البابوية تدفعنا لنعيد قراءة تصورنا لرجال الدين. ونحن في إطار الدائرة الإسلامية هناك علماء، وأشير إلى أن التاريخ الإسلامي شكلت فيه مؤسسة العلماء مؤسسة ريادية لتحقيق النهضة الحضارية للأمة باعتبار أن هذه الأمة كمنتوج حضاري تبقى مرتبطة بدائرة الاجتهاد العلمي ومؤسسة العلماء هي المؤسسة المؤهلة لتفعيل هذا الاجتهاد.
لنتذكر أنه حتى في السلطة السياسية الأولى ومع النموذج الإسلامي الأول، كانت مرتبطة بمرجعية العلماء، ولو قفزنا تاريخيا إلى المحطات المعاصرة، لوجدنا في تاريخ المغرب، أن البيعة الشرعية للسلطان كانت تمر بالضرورة عبر مؤسسة العلماء بمعنى أن العلماء يمتلكون من الشرعية أكثر مما تمتلكها مؤسسة السلطة السياسية.
هذا على مستوى التاريخ، والواقع الاستعماري المعاصر يشهد على أن الوعي بخطورة مؤسسة العلماء على مستوى ربط الأمة بالمجتمع سيدفع القوى الاستعمارية والنخب العلمانية لأن تراهن على ضرب الأمة من خلال تفكيك مؤسسة العلماء. وللأستاذ الجابري دراسة قيمة في هذا الصدد، حول بيان خطورة آلية تفكيك مؤسسة القرويين ومؤسسة العلماء في المغرب، وأعتقد أن الأحداث الإرهابية التي وقعت في الدار البيضاء تبقى في جوهرها رسالة لبيان علمي مفاده أن غياب مؤسسة العلماء في البلاد هو إنذار خطير لتعرية المجتمع من المرجعية العلمية التي تمتلكها السلطة الشرعية والسلطة الأخلاقية لبناء دائرة السلوك السياسية وبناء دائرة الوعي السياسي في المجتمع المغربي. وأرى بأن المبادرة الملكية الأخيرة بخصوص هيكلة الحقل الديني، تبقى محاول ووعي بضرورة إرجاع ثقة المجتمع في مؤسسة العلماء، مع إشارتنا طبعا إلى أن المسألة أكبر بكثير من المنطق السياسي، لأﻧﻬا مرتبطة بطبيعة البنية التكوينية للمجتمع التي تجعل من مؤسسة العلماء أكبر بكثير من موقع التوظيف السياسي والخضوع للهاجس الأمني.
إن مؤسسة العلماء في الأمة مؤسسة حضارية تسمو على منطق التوظيف السياسي والحسابات السياسية، لأﻧﻬا مرتبطة بطبيعة مرجعية الأمة، وهذا سؤال يحتاج للمدارسة، ويدور حول كيفية ربط إكراهات العولمة بين الحفاظ على الأصول الحضارية للأمة وبين طبيعة إعادة الدور الرسالي لمؤسسة العلماء من خلال تأسيس الأمن الثقافي والأمن الروحي للمجتمع.
ألا ترون أن تقييم نتائج إعادة الهيكلة هذهفيظل إكراهاتالساحة الداخلية والإقليمية والخارجية ليس بالأمر الهين وأننا قد ننتظر لعقود حتى نقرأ النتائج بشكل عملي موضوعي؟
أعتقد أن المغرب يؤدي الثمن غاليا بسبب ﺗﻬميش مؤسسة العلماء، والدليل على ذلك هو الفراغ الكبير على مستوى حضور مؤسسة العلماء في الجانب الإعلامي، بل إنني أتسائل مع القارئ الكريم عن معنى توفر المغرب على 16 ألف خطيب وإمام وعلى حضور وازن لمجالس علمية وعلماء وفقهاء ومع ذلك نشعر بأن ترشيد الصحوة الإسلامية والتنشئة الأخلاقية للمجتمع تبقى بطيئة مقارنة بطبيعة ما حفل به الخطاب الملكي ومقارنة بطبيعة التحديات التي تفرضها العولمة، ومن هذه التحديات، ضرورة إعادة النظر في مؤسسة العلماء. إن مؤسسة العلماء مرتبطة بطبيعة الأصول الحضارية لطبيعة النشوء التكويني للأمة، وعليه فالمؤسسة لها من القيمة العلمية والقيمة الحضارية على مستوى التحصين بخصوص الانتماء الوطني والانتماء الحضاري والأخلاقي ما يعطيها الشرعية لأن تكون أسمى بكثير من مستويات التوظيف السياسي.
كلنا مع الانفتاح، ولكن ألا ترون أن ثمة ضوابط لهذا الانفتاح، وإلا سنطرق باب “فوضى الاجتهاد”؟
ضوابط الاجتهاد هي أن يكون الاجتهاد مبنيا على منطق مقاصد الأمة ومصالح الوطن. تبقى ضوابط الاجتهاد ذلك الأفق المفتوح لاشتغال العقل المسلم بأفقه الإنساني، لأن الحركة العالمية تشير نحو الانفتاح، ونحن نشعر بأن وظيفة مؤسسة العلماء تختزل فقط في مجال نوع من التحصين المجتمعي، في حين أن هناك دراسات تبين أن المغاربة ينفتحون أكثر على المواقع الدينية عبر الإنترنت، وهذا مرتبط من وجهة نظرنا بتغييب مؤسسة العلماء على مستوى التأطير من خلال الحضور الإعلامي مثلا، باعتباره مؤشرا علنيا على هذا الحضور.
كيف ترون الحركية التي مست هذا الحضور خلال السنين الأخيرة؟
هناك بالفعل حركية ملموسة ولكنها بطيئة بالنظر إلى أهمية مؤسسة العلماء التي تحتاج إلى مراكز الدعوة والتكوين كما كانت يوما جامعة القرويين، والتي جسدت يوما فضاءا في الزمن النموذجي ببعده الإنساني المنفتح. هناك أسئلة ضرورية يجب طرحها حول هذا الحضور: هل نتوفر على مراكز لتخريج الدعاة؟ وهل ثمة مراكز علمية لتنشئة علماء ربانيين ووطنيين يحبون الله والإنسان والإنسانية؟ صورة العالم أو صورة الفقيه في العالم العربي والإسلامي تعددت بطبيعة مستويات تأثيرات مستويات أجنبية، وإذا كان الفقيه في الأزمنة الإسلامية جسد مرجعا بالنسبة للجميع، فأين هي مرجعية الفقيه اليوم؟ وكيف نطلب من فقيه أن يكون في مستوى التحديات التي أشرنا إليها في هذه الجلسة وهو يحصل على مبالغ مالية زهيدة، ونطالب منه أن يساهم في التنمية البشرية والأخلاقية والإنسانية.
يحتاج هذا الفقيه إلى الكثير من التشجيع ورد الاعتبار لأنه فاعل في التنمية الأخلاقية والروحية للمجتمع، ونتمنى من هذه المبادرة الملكية أن تترجم عمليا من خلال مقاربتها في إطار الرؤية الحضارية للأمة.
