نشهد تراجعا عالميا بخصوص ثقة المواطن في رجل السياسة

يرى د. أحمد الحمداوي، الأستاذ الجامعي، والدكتور في علم النفس المرضي، والمعالج النفساني والأخصائي في علم الإجرام العيادي بالرباط، أن هناك تناميا للعودة إلى الوازع الديني حتى في أوروبا، في الوقت الذي تشهد فيه ثقة المواطن برجل السياسة تراجعا كبيرا سببه بالأساس أن هذا الرجل هو رجل ” المصلحة” و” الوصولية” وهو ميكيافيلي قبل كل شيء. وأن ما يعيشه العالم من قلق حضاري ووجودي يدفع بالناس إلى البحث عن استقرار نفسي معين يجدونه في الخطاب الديني.
في البداية، ما هو التفسير الذي تقدمونه لظاهرة تراجع الثقة التي يضعها المواطن، على المستوى الدولي، في رجل السياسية؟
أعتقد أن هناك تراجعا عالميا بخصوص ثقة المواطن في رجل السياسة. هذا يدل على تحولات حصلت في التعاقد الاجتماعي بين المواطن و” السياسي”؛ أو ما يسمى ب” التعاقد النفسي المصلحي”. نحن أمام تراجع حقيقي للسياسي، حتى في أوروبا. إلا أن الرأي العام في أوروبا يختلف عن الرأي العام في المغرب، لأن الرأي العام- في أوروبا- منخرط في إطار التحولات الاجتماعية والمؤسساتية، وهو فاعل في ” النشاط السياسي ” و” النشاط الحقوقي” والمؤسساتي، أي هناك حضور فعلي لممارسة ” المواطنة”. رغم ذلك، غالبا ما يوصف رجل السياسة، حتى في أوروبا، على أنه رجل المناسبات وأوقات معينة، يظهر مع موسم ” الاستحقاقات الانتخابية”. والتراجع لا ينطبق فقط على العلاقة ب”السياسي”إنما أيضابموقفمعينمن”البرنامج السياسي” الذي يحمله ” رجل السياسة”. الرأي العام في أوروبا، على سبيل المثال، قد يمارس اعتراضا؛ أو ما يسمى بالفرنسية sanction Une بخصوص عدم التصويت على البرنامج السياسي وعلى الأفراد لأﻧﻬم لم يحترموا التعاقد والالتزامات التي التزموا ﺑﻬا، شفويا، في إطار التعاقد المناسباتي أثناء المناسبات السياسية الانتخابية. إذن المواطن له حق ممارسة الرقابة أو إقصاء رجل السياسة، نظرا للمناخ الديمقراطي في أوروبا. ورغم ذلك هناك تراجع في الثقة بخصوص رجل السياسة؛ لأن السياسي يمكن أن يعتبر كذلك رجل المراوغات.
وفي المقابل هناك تنامي ظاهرة العودة إلى الوازع الديني حتى في أوروبا؛ لأن السياسي هو رجل ” المصلحة” و ” الوصولية” وهو ميكيافيلي قبل كل شيء.
هل الأمر نفسه ينطبق على وضعية “السياسي”في المغرب؟
في المغرب، هناك مشكلة حقيقية. أظن أن عدم استجابة رجل السياسة في تعاقده مع المواطن، وكذلك عوامل الوعي، وممارسة الرقابة الشعبية على رجل السياسة… كل هذا أدى فعليا إلى أن صورة السياسي أصبحت مصغرة في عيون المواطن، سواء كان مثقفا أم رجلا عاديا؛ لأن السياسي في تقدير المواطن هو رجل انتهازي ووصولي في الغالب العام. لذلك تجد أن صورة ” السياسي” لدى المواطن هو ذلك الإنسان الذي لا يظهر إلا في مناسبات الحملات الانتخابية. أضف إلى هذا أن غياب فضاء الإنصات، وغياب العلاقة الدائمة مع المواطن، ومصاحبة المواطن في مشاكله اليومية، كل هذا أدى إلى ظهور نوع من الشرخ بين المواطن العادي ورجل السياسة. ويمكن أن نضيف إلى هذا كوننا لا نتوفر على رجل السياسة بالمفهوم المؤسساتي؛ بمعنى رجل يبني علاقاته مع المواطن في إطار رؤية سياسية وفي إطار برنامج سياسي.
هل المشكلة تكمن في التصور الذي يحمله المواطن عن رجل السياسة أم عن السياسة نفسها؟
المواطن يعيش عزوفا عن السياسة. وهذا العزوف هو عالمي، فهناك عدم التأطير السياسي، وغياب البيداغوجية والتربية السياسية للمواطن. وهناك غياب رجل السياسة عن القاعدة العريضة العامة من المواطنين. فالمواطن لا يعرف شيئا عن السياسي إلا في المناسبات الانتخابية أو في التلفزيون أو في مصلحة معينة. لذلك أصبحت الثقة شبه منعدمة. والحل هو في إعادة الثقة بإعادة التعاقد النفسي بين المواطن ورجل السياسة. ونحن نلاحظ أن المواطن أصبح يثق في ” رجل الدين” أكثر من رجل السياسة.
(أقاطعه) لماذا فيرأيكم؟
لأنه ليس انتهازيا، ولا يعد المواطن بأشياء كاذبة، وينطلق من وازع ثقافي لاشعوري، وهو رجل النصيحة، ويبني برنامجه وتصوره السياسي على القرب من المواطن ومشاركته في رؤيته الثقافية، وكذلك يلاحظ في السنوات الأخيرة تنامي التواجد الاجتماعي للممارسة السياسية للدين، كما يلاحظ أيضا أن أصحاب هذه الممارسة الذين يتخذون الدين كمرجعية أساسية لهم حضور وتواجد اجتماعي بجانب القاعدة العامة من المواطنين الذين يعيشون ظروفا اجتماعية صعبة.
ألا يمكن أن يرد هذا الأمر إلى بساطة الخطاب الديني وفهم المواطن له دون عناء جهد، لأنه يخاطب فيه فطرته الدينية وشعوره الداخلي؟
هذا جانب من الجوانب. فكما قلنا، خطاب رجل الدين يتموقع في الرؤية الثقافية والتكوين النفسي والديني والاجتماعي للمواطن، وكذلك في بساطته وسهولته، إضافة إلى قرب ” رجل الدين” من مشاكل الناس.
هناك من يقول بأن الحداثة أوجدت لدى المواطن- بصفة عامة- اغترابا نفسيا وثقافيا.. الأمر الذي قاده إلى الاحتماء أكثر بالدين. ما رأيكم؟
نحن نعيش ما يمكن تسميته ب” القلق الثقافي” أو ” العصاب الثقافي”. هذا العصاب ينبعث من الصراع النفسي حول القضايا المتعلقة ب ” الهوية” و” الانتماء”. ثم هذا النجاح المادي الباهر للحضارة الغربية له ثقله في معايير حالة الاستقرار النفسي، وفي المرجعية النفسية للمواطن، في العالم العربي وفي العالم الإسلامي بشكل عام. ولذلك نلاحظ نوعا من العودة إلى المرجعية الثقافية والمرجعية الدينية باعتبارهما خصوصيات تنسجم والبعد الثقافي والمرجعية الجماعية والأصلية التي أسست للبنية النفسية والثقافية للمواطن بصفة عامة. بكلمة واضحة، إن هناك تراكما لشروط معينة تدفع المواطنين لأخذ الحيطة أو ” فك الارتباط” النفسي مع كل ما هو خطاب غربي، ديمقراطي بالمفهوم الغربي، وحداثي… كما أن هناك أسئلة تطرح انطلاقا من مشكل الهوية؛ أي من التأسيس للذات ومحاولة تسجيل مسافةMarquer la distance بين ما هو ثقافة حداثية غربية وبين الرجوع إلى تحديث المرجعية الثقافية الأصلية والتأسيسية.
لكن الملاحظ أن ثقة المواطن تزداد عندما يكون الخطاب الديني وراءه ناس انخرطوا بشكل مباشر في قضايا المجتمع(أو ما يصطلح عليه ب”الدعاة”)، عكس عندما نكون بخصوص عالم يخاطب الناس من عل، رغم أن بضاعته من العلم-خاصة الشرعي-قد تكون هائلة!!
أعتقد أن العالم إذا كان خطابه دينيا فقط، لا يمكن أن يرقى إلى مستوى ” اختراق” الرأي العام. فهذا الأخير أصبح حساسا ويبلور حسا نقديا؛ فلا بد أن يكون الخطاب منسجما أو يحمل قناعا اجتماعيا. ولابد من أن يتحاور ليس من بعد يحمل ” خصوصية المسافة” بل ينبغي أن يكون هناك قرب من الناس.
هل نفس الأمر ينطبق على المثقف بصفةعامة؟
المثقففي المغرب-في الغالب- هومثقف البحث عن تحسين وضعيته المادية أكثر من مثقف ملتزم أخلاقيا واجتماعيا… باستثناء قلة قليلة جدا، وهي تعيش نوعا من التهميش من قبل الآخرين بحكم أﻧﻬا تحمل فكرا وتصورا يندرج في إطار التحولات التي يعيشها المجتمع المغربي.
يمكن أن يكون السبب في وجود المسافة بين المثقف والناس راجعا إلى الخطاب النخبوي الذي يتوجه به المثقف إلى نوعية محددة من الناس! أظن أن الصناعة الفكرية هي من إنتاج النخبة.
لكن لا يجب أن يكون هناك تقاطع أو شرخ بين النخبة والعامة من الناس. وإلا فسيكون هناك دائما ما يسمى ب” المسافة النفسية” التي أصبحنا نعيشها حاليا. المثقف ليس ملزما لأن يعيش في مكتبه، وينظر من مكتبه فقط! المثقف ينبغي أن يندرج حاليا في العمل الجمعوي والسياسي والفضاء الاجتماعي لكي يكسب صبغة الشرعية والثقة من لدن القاعدة العامة من الناس. فالمثقف هو الذي يعيش مع الناس ويُنظّر لهم؛ لأنه صاحب رسالة الإبداع الفكري ولكن كذلك صاحب قيادة نظرية ينشط حيوية العلاقات وكذلك يدفع بالرأي العام إلى المشاركة والمساهمة في التحولات الإيجابية التي يعيشها المجتمع.
هناك من يعتقد أن هذا الأمر راجع إلى بروز ما يمكن تسميته ب” الولاءات الجديدة”داخل المجتمع بعد التحولات التي شهدها العالم اجتماعيا وثقافيا وإعلاميا؛ “الولاء” للفنانين و” لاعبيكرة القدم”.. مارأيكم؟
في رأيي الخاص أعتقد أن المثقف يبحث عن موقع خاص اجتماعيا، وليس عن ولاءات سياسية أو غيرها. والمثقف هو الذي يصنع المكانة لشرعية الفكر الذي يدافع عنه انطلاقا من ركائز وقوة اجتماعية. قد يكون المثقف في حزب أو تنظيم معين أو يمثل منظمة اجتماعية غير سياسية، لكنه يسعى إلى التأثير في فضاء الرأي العام الذي يمثله.
من بين الملاحظات التي ركز عليها الاستطلاعالسابق، هو أنثقةالمواطنين في ” رجل الدين” كبيرة وفي تصاعد حتىفيالدولالعلمانية!ماتفسيركم لهذهالمفارقة؟!
كما قلت سابقا، ” رجل الدين” هو الذي يخاطب الناس انطلاقا من القناعات الثقافية والنفسية للمواطنين. ومع تراجع المعايير والضوابط الأخلاقية أصبح العالم يعيش أزمة هوية وإيديولوجية، ونوعا من ” التفكك” في الأخلاق.
هذه جملة العوامل التي أدت إلى الانجرار نحو الثقة في ” رجل الدين”. وهذا الأخير يخاطب الناس في مشاعرها، وفي وازعها الديني، ودائما هو رهن إشارة الآخرين، عن طريق مصاحبتهم في أزماﺗﻬم النفسية والاجتماعية، وكذلك يطرح حلولا تنسجم مع ما يمكن تسميته ب” الشرعية الثقافية والدينية” للمجتمع.
ربما لأن المواطن لا يجد هذا الخطاب غريبا عن تكوينه النفسي والثقافي!
طبعا. لا يجد غرابة في هذا الخطاب، ولكنه أيضا له ” شرعية نفسية” و” شرعية ثقافية” وكذلك ” شرعية مؤسساتية”. الرجوع إلى الخطاب الديني الكاثوليكي، على سبيل المثال، دليل على عدم الثقة في الإيديولوجيات السياسية وكذلك في رجل السياسة الذي أصبح رجلا مناسباتيا يمثل تصورا معينا. أضف إلى ذلك أن هناك ” قلقا حضاريا” و” قلقا وجوديا” يدفع بالناس إلى البحث عن استقرار نفسي معين.
وهذا الاستقرار لا يمكن أن يوجد إلا في الخطاب الديني. ونلاحظ حاليا الرجوع إلى الوازع الديني على مستوى التربية؛ لأن طغيان النجاح المادي وما يسمى ب” التريف الأخلاقي”؛ كل ذلك أدى إلى الرجوع والاحتماء بالخطاب الديني.
